من يحمل هم الإسلام

 

بسم الله الرحمن الرحيم

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستغفره ونتوب إليه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا من يهده الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله اللهم صل على محمد وعلى آل محمد كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد وبارك على محمد  وعلى آل محمد كما باركت على إبراهيم  وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد .

يدور حديثنا بمشيئة الله تعالى حول موضوعٍ مهم يهم كل مسلم يسعى لرفعة هذا الدين وينبض قلبه بحب الله ورسوله وتتألم نفسه لآلام المسلمين ألا وهو :

 

من يحمـل هـم الإسـلام

 

 

وسنتحدث حول هذا الموضوع من خلال النقاط التالية :

 

- أصناف المنتسبين إلى الإسلام اليوم :

                        1- اليائسون القانطـون .

                        2- الــدنيـويــون .

                        3- المنسلخـون من الدين .

                        4- أهل العلم والإصـلاح .

- واقع الأمة بين جمود القلب وبرودة الإحساس ومظاهر ذلك :

                          1- عـــــدم التأثـر .

                        2-القياس بالمصالح الشخصية .

                        3- الهروب من مواجهة الواقع .

                        4- الكــيل بمكـيــالين .

- ما المطلوب منا حتى نحقق النصرة للإسلام.

- المواصفات الواجب توفرها فيمن يعمل للإسلام .

- حاجتنا إلى القلق .

- أهمية إذكاء المشاعر وتوجيه العواطف .

- صور من انشغال سلفنا بنصرة الإسلام .

- الإسلام بين الإخلاص والمصالح الشخصية .

-الإسلام أولا وقبل كل شيء .

- أين موقعك بين جند الإسلام .

- استثمر كل طاقاتك وإمكانياتك لنصرة الإسلام .

 


 

 

تمهــــيد

 كثيرا ما تطالعنا الصحف والجرائد والنشرات بذكر أخبار أو أرقام لأولئك الذين دخلوا حديثا  في  دين الإسلام من كافه الجنسيات والديانات والبلدان وهذا لا شك من المظاهر التي تدل على قوة هذا الإسلام وثباته ونمائه فعلى الرغم من تأخر الكثيرين ممن ينتسبون إلى الإسلام  وتخلفهم في كثير من المجالات وعلى الرغم من الكيد المنظم المدبر من قبل أعدائه إلا أن الذين يقبلون على هذا الدين ويدخلون فيه جموع غفيرة،  وقد كتب لي أن أمر ببعض المراكز الدعوية  فكانوا يتحدثون أن عدد من يشهرون إسلامهم  في مركز واحد خلال أسبوع قد يصل في بعض الأحيان إلى ما يزيد على ثلاثين ما بين رجل وامرأة، ممن اجتذبهم الإسلام إليه بنقائه وصفائه ونوره فهو دين الله عز وجل  في الأرض السالم من كل تغيير أو تحريف أو تبديل. 

على الجانب الآخر فإننا قل أن نسمع أخبارا تتحدث عن أعداد قلت أو كثرت ممن ينتسبون إلى الإسلام ممن هم مسلمون أصلا، ولدوا لأبوين مسلمين وسجل في أوراقهم الرسمية أنهم مسلمون قل أن نسمع عن أمثال هؤلاء أنهم تقدموا  في إسلامهم من كونهم مسلمين بالوراثة والتقليد إلى كونهم مسلمين عن حقيقة واقتناع، من كونهم مجرد أرقام إلى كونهم شخصيات تعمل للإسلام وتحمل هم الإسلام .

و كثيرا ما نسمع أو نقرأ من يتحدث عن الثروات المهدرة من الأموال الطائلة في بلاد المسلمين ولكننا لا نكاد نسمع أو نقرأ من يتحدث عن أغنى ثروة مهدرة على الإطلاق ألا وهى ثروة الإنسان فالإنسان هو الذي يستطيع الحصول على المال، وهو الذي يبني الحضارات، وهو الذي يشيد المباني الفخمة، وهو الذي يعبد الطرق، وهو الذي يبني الجسور، وهو الذي يحمل المبدأ، وهو الذي يدافع، ومع ذلك تجد الحديث عن الإنسان كثروة مهدرة تجده قليلا بل أقل من القليل خاصة في عالم الإسلام وفى وسط أمة المسلمين .

- أمراض في الجسد الإسلامي : 

إن المسلمين القدامى؛ وأعني بهم أمة الإسلام التي هي مسلمة أصلا وليس الداخلين  في الإسلام حديثا فقط، إن المسلمين القدامى فيهم أدواء تحتاج إلى مبضع الجراح وفيهم مصائب وآلام ونكبات يعجز عنها الحصر .

أصناف المنتسبين إلى الإسلام اليوم :

قد تأملت  في أحوال أولئك الذين ينتسبون إلى الإسلام والذين ولدوا ونشئوا في بلاد الإسلام لأبوين مسلمين ويحملون هوية كتب تحت بند الديانة : مسلم أولئك الصنف هم موضع حديثنا هنا وقد رأيت أن أقسمهم إلى أربع طوائف أو أقسام  :

1-اليائسون القانطون :

 فمن هؤلاء المسلمين من يكون يائسا قد انقطعت حباله، فهو لا يفتأ يردد ليل نهار الأحاديث التي رويت عن النبي صلى الله عليه وسلم   في بيان غربة هذا الدين، وأنه بدأ غريبا وسيعود غريبا كما بدأ([1])، أو تلك الأحاديث التي تتكلم عن العزلة واعتزال الناس والبعد عنهم، وربما قال أحدهم هذا أوان قوله صلى الله عليه وآله وسلم “أمسك عليك لسانك وليسعك بيتك وابك على خطيئتك” ([2]).

 فإذا سمع هذا المسلم اليائس القانط أخبارا عن المنكرات التي تقع هنا أو هناك أو المصائب التي تنزل بالمسلمين فإنه يكتفي بأن يحوقل أو يحسبل أو يسترجع ولا يتعدى أمره ذاك، ولاشك أن ذكر الله تعالى مشروع بكل حال، فلا حول ولا قوة إلا بالله هي من أعظم الأسلحة التي يستعصم بها المسلم  في  وجه اليأس والقنوط، فإنه حين يقول لا حول ولا قوه إلا بالله ليس يردد كلاما فحسب بل هو يتلو دعاء من كنز تحت العرش، يدله على أنه ينبغي أن يعتصم بالله عز و جل ويستمد القوة من الله تعالى  في مواجهه الواقع وتغييره إلى الأحسن([3])، كما أنه ينبغي أن يدرك أن التحول من واقع سيئ؛ كالمعصية والفجور والإثم،  إلى واقع حسن بالطاعة والبر والإيمان لا يكون إلا بعون الله تعالى ونصره وتأييده، فهذه طائفة من المسلمين تعيش اليأس والقنوط .

2- الدنيويون : 

والى جوار الطائفة الأولى نجد طائفة أخرى ممن انصرف الواحد منهم إلى دنياه وأغرق في همومه الشخصية، فكل ما يحلم به هذا الإنسان وكل ما يعنيه هو أن تنفق تجارته أو أن ترتفع رتبته أو أن يزيد مرتبه، وأما أن يكون همه أن ينفع المسلمين  بجاه أو مال أو غير ذلك فهذا بعيد، وكل ما قد يردده على أحسن الأحوال أن يقول: أنا رب الإبل وللبيت رب يحميه، إذا لم يعد من هم هذا الإنسان قضية الإسلام والمسلمين أو تقديم نفع لهم وإنما كل همه لا يتعدى مصالحه الشخصية وهمومه الذاتية .

وهؤلاء لاشك قد يكون الواحد منهم مصليا، وقد يكون صائما، وقد يسمى بالحاج فلان كما نجد  في كثير من البلدان وربما كان الدين عند أحدهم لا يعدو أن يكون حرزا يعلقه على رقبته أو يضعه في وسادته أو حضور مأتم أو حضور مولد كما هو موجود في كثير من البلاد ويعتقد أن الدين يتوقف ويقتصر عند هذا الحد ولا شك أن هؤلاء يشكلون الأغلبية الساحقة من المسلمين ممن هم مسلمون بالانتساب والانتماء وربما كان أحدهم مصليا لكن لا تعتمل في قلوبهم هموم الإسلام ولا تتحرق نفوسهم لقضايا المسلمين بل يكتفي أحدهم  بأقل قدر يضمن له اسم الإسلام وربما قصر في أقل هذا القدر أيضا فربما لم يصل الصلوات الخمس أو لم يصلها  في المسجد ولو كان يقول إنه محب لله عز وجل .

        تصحيح المقاييس والمفاهيم :

حدثني أحد الأخوة الأحباب وقد اتصل بي فكان من ضمن حديثه أنه قال إن علاقتي بالله تبارك وتعالى علاقة جيدة جدا، فقلت له الحمد لله رب العالمين وهذه بشارة، وخلال حديثه تحدث وقال:  إنه  قد يصلي بعض الصلوات، وقد يفوته فروض أخرى . فقلت تفوتك  في المسجد أو تفوتك بالكلية؟ قال: لا قد أفوت الوقت بالكلية فلا أصلي فقلت كيف تكون علاقتك بالله تعالى جيدة ويفوتك وقت أو أوقات يا أخي خذ مقاييس البشر مقاييس الناس الدنيوية لما يكون هناك علاقة حب بين إنسان وإنسان آخر فيكون هذا المحبوب يريد من حبيبه أن يكون في  وقت معين في مكان معين  فإنه يتحمل في سبيل طاعة محبوبه آلام الحر والبرد وبعد المسافات والهجير وغير ذلك، فكيف بمن يحب الله تعالى كيف لا يتحمل في سبيله أليس الله عز وجل يقول {قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم } [ آل عمران : 31] فهذه آية المحبة التي يمتحن الله تعالى ويبتلي بها من يدعون محبته ليتحقق لهم هذا الحب من خلال الأعمال التي يقومون بها لتطبيق هذا الحب .

ومما يذكر في  الأقاصيص، أن رجلا من أهل مصر في زمن غابر، كان يجلس  في المجالس ويقف  في المساجد ويعلن ليل نهار  أنه  يفنى  في حب ملك مصر يموت في حبه ويهلك في سبيله، وكانت هذه الدعوة قد ملأت فمه فهو يرددها صباح مساء، فترامى خبر هذا الإنسان إلى ملك مصر فدعاه

وقال له: أنت الذي تدعي أنك تحبني .

قال: نعم .

قال: هل حبك حقيقة أم ادعاء .

قال: لا بل  حبي حقيقة.

 قال: إذا أنا سوف أخيرك بين أمرين إن كنت تحبني إما أن تغادر هذا البلد الذي أسكن فيه وهو مصر وأما أن أقتلك فاختر أحدهما .

فقال: لا بل أغادر هذه البلد .

قال: فاخرج من عندي .

فلما خرج أمر السلطان الحارس أن يقتله بسيفه، وهنا قام الحارس وثار وقال: لماذا أقتل رجلا في غير جرم فقال: لا بل قد أجرم في حقي؛ لأنه يدعي حبي وهو كاذب؟ قال :  كيف عرفت أنه كاذب قال إنه  لو كان محبا صادقا لي لرضي أن يقتل على أن يفارقني ويغادر بلدي ولاستحلى واستلذ الصعب من أجلي، ولو وافق على أن أقتله لنزلت عن عرشي ووضعته مكاني وسلمت له مقاليد الأمور.

 فهكذا مقاييس البشر فما  بالك بمن يدعي محبة الله عز وجل لابد أن يحقق هذا الحب بالعمل الصالح الذي يقوم به .

إذا فهذه طائفة أخرى من المسلمين ممن يلتزمون بقدر من الدين ويفرحون بالانتساب إليه وقد يؤذيهم أن ينال أحد دينهم بسوء لكنهم لا يقدمون لدينهم عملا يذكر.

3- المنسلخون من الدين :

 وممن ينتسبون إلى هذه الأمة ويعدون على الأقل في إحصائياتها الرسمية جزءا منها أولئك الذين انسلخوا عن حقيقة انتسابهم لهذا الدين وتخلوا عن ولائهم لهذه الأمة وأعجبهم ما فتح الله تعالى على العدو الكافر من زينة الحياة الدنيا وزهرتها فتعلقت قلوبهم بأعداء الدين، وتخلوا عن حقيقة انتسابهم لهذه الأمة، فهم وإن كانت ثيابهم ثياب العرب وألفاظهم ألفاظ العرب إلا أن قلوبهم قلوب الأعاجم، وفى مثل هؤلاء يقول القائل:

رسل الفساد وما حلوا وما رحلوا        

 إلا وكانوا به أعدى من الجــرب  .

ألفاظهم عرب والفعل مختلــف     

  وكم حوى اللفظ من زور ومن كذب .

إن العروبة ثوب يخدعون به          

  وهم يرومون طعن الدين والعــرب  .

واحسرتاه لقومي غرهم قرم    

        سعى إليهم بجلد المنقذ الحــــدب .

حتى إذا أمكنته فرصــة        

     برزت حمر المخالب بين الشك والعجب .

والمدعون هوى الإسلام سيفهم     

     مع الأعـــادي على أبنائه النجب .

يخادعون به أو يتقون به           

     وماله منهم رفـد سـوى الخـطـب .

-       فهؤلاء ربما تكلم الواحد منهم باسم الإسلام وربما وضع اسم الله  في ضمن كلامه وربما تكلم عن الدين ولكن حقيقته أنه يبث سموم الغرب   في  بلاد المسلمين ويحمل أفكارا غريبة عن هذه البلاد فهؤلاء لا شك أنهم حقيقة منسلخون عن هذه الأمة وعن جسمها وروحها وتاريخها ولكنهم لا يستطيعون أن يجاهروا بمذهبهم هذا ولا بموقفهم بل يتمسحون بالإسلام تقية أو مداراة أو مداهنة وربما يجدون من يصدقهم في ذلك .

 - أهل العلم والإصلاح :

أما الفئة الرابعة، وهم الأمل المرجو بعد الله عز وجل  في إنقاذ هذه الأمة مما تعيشه، فهم أولئك الذين حققوا جزءا كبيرا من انتسابهم لهذا الدين؛ من أهل العلم والفقه والإصلاح والدعوة إلى الله عز وجل، وهم بحمد الله كثير، وفيهم خير كثير لهذه الأمة، هؤلاء هم الذينيرجى أن يكتب الله تعالى على أيديهم إنقاذ هذه الأمة مما تعيش فيه، وهم الذين يرجى أن يكتب الله تعالى على أيديهم أن يحيوا تلك الطوائف من المسلمين الذين لم يحققوا انتسابهم لهذا الدين، وهم الذين بإذن الله تعالى ينفخون روح الإيمان والأمل والعمل في هذه الأمة، وقد تحدث عنهم واحد منهم فقال يصف الصورة المثالية لهم :

قلوبهم طهر يفيض على الورى       

  وأيديهم تأسوا جراح الخوافــق .

هم السلسل الصافى على كل مؤمن  

  وفى حومة الهيجاء نار الصواعق .

هم الحلم الريان  في  وقدة الظما     

   وليس على الآفاق طيف لبـارق .

هم الأمل المرجو إن خاب مأمل     

   وأوهن بعد الشوط صبر السوابق .

كأني أراهم والدنى ليس في الدنى      

صلاحا ونور الله ملء المشارق .

أقاموا عمود الدين من بعد صدعه    

  وأعلوا لواء الحق فوق الخلائق .

 

واقع الأمة بين جمود القلب وبرودة الإحساس:

إن الواقع الغالب على الكثير من المنتسبين إلى أمة الإسلام، وأقول بكل أسف؛ حتى تلك الفئة المختارة، التي هي الصفوة، تشترك إلى حد كبير  في  هذا الواقع.

 إن الواقع الغالب على أمة الإسلام أنها تعيش قدرا كبيرا من جمود القلب وبرودة الإحساس فأنت قد تجالس عالما أو طالب علم أو فقيها أو داعية ولكنك لا تشعر بحرارة القلب لا تشعر بالتوتر لهذا الدين لا تشعر بقلب يحترق للإسلام والمسلمين تجد كثيرا من البرود والجمود وخمول الإحساس عند هؤلاء ، الحرقة التي تغلي في القلوب إن لم تكن قليلة فهي أقل من القليل .

                          وقد كانوا إذا عدوا قليلا             فقد صاروا أقل من القليل

- من مظاهر جمود القلب وبرودة الإحساس تجاه واقع المسلمين:

هذا الهمود والخمود والبرود في أحاسيس المسلمين يتجلى  في مظاهر كثيرة لو تأملها واحد منكم لوجدها فيمن حوله لا تكاد تخطئها عين ومن ذلك مثلا :

1- عدم التأثر :

عدم الاكتراث لما يجري قد تتحدث مع إنسان وربما كان فاضلا وربما كان مصليا صائما تتحدث معه عن واقع يتعلق بالمسلمين، عن منكرٍ قائم،   عن مصيبة تنزل بالأمة، عن كارثة، فتجد أن ه1ذا الإنسان يسمع ما تلقي إليه وقد يشاهده بعينه أحيانا وكأنه يسمع كلاما يتعلق بعالم آخر أو كلاما تاريخيا دون في الكتب وهو يروى له وقد حدث في القرن السادس أو السابع يسمع هذا الإنسان قصة وقعت  في  بلد الإسلام أن النصارى أو الوثنيين دخلوا على المسلمين وهم يصلون الجمعة فأطلقوا عليهم الرصاص وأردوهم قتلى قتلوا منهم في  غداة واحدة ما يزيد على ألفي مسلم وفي أي مكان في المسجد.

 وقد رأى كثير منا هذا بأعينه رأيناه  في الصور التي نقلتها وسائل الإعلام وتداولها الكثيرون، فهل يتحرك  في إنسان منا إحساس أو شعور؟ هل تخرج من عينه ولو دمعة صادقة؟ هل يرق  في  قلبه ولو ألم ممض لهذا الواقع؟ الكثير الكثير من المسلمين، حتى من صالحيهم يسمعون مثل هذه الأخبار وقد ألفوها واعتادوا سماعها فصار الواحد منهم كأنما يسمع خبرا عن عالم آخر أو عن أمة أخرى أو كأنما يتحدث معه المتحدث عن قضية حصلت  في القرن السادس أو السابع .

هذا نموذج من نماذج برودة الإحساس وجفاف المشاعر عند كثير من المسلمين، بل إنني رأيت بعض هؤلاء ربما يشهد هذا المشهد فلا يكتفي بأن يواجهه بقلب بارد بل ربما أطلق نكتة عابرة تجعل هذا الموضع أو هذا المشهد بدلا من كونه مشهدا للبكاء تنطلق الضحكات من أفواه المشاهدين على نكتة أطلقها على من؟ على هؤلاء الصرعى المجندلين على هذه الأكوام من القتلى على هذه الأشلاء المتطايرة

إن هذا الواقع المر ليس جديدا بل   في كل عصور الانهيار والإحباط التي عاشتها الأمة المسلمة كانت تعيش مثل ذلك فيوم كانت البلاد الإسلامية في القرن الثامن والتاسع تعيش أصعب أيامها وخاصة  في أيام سقوط الأندلس شكا أبو البقاء الرندي وهو يبكي بلاد الأندلس التي أخذت من عالم الإسلام وضمت إلى عالم النصارى شكا واقعا مشابها لهذا الواقع وكان يتعجب من عدم تجاوب المسلمين مع هذه المصيبة فكان يقول :

يا راكبين عناق الخيل ضامرة  

كأنها في مجال السبق عـقبان .

وحاملين سيوف الهند مشرعة           

    كأنه ا في  ظلام النقع نـيران .

وراتعين وراء البحر في دعة                   

   لهم   بأوطانهم عز وسلـطان .

هل عندكم خبر من أهل أندلس              

  فقد جرى بحديث القوم ركبان .

كم يستغيث بنا المستضعفون وهم            

  صرعى وقتلى فما يهتز إنسان .

ماد التقاطع في الإسلام بينكم                

  وأنتم يا عباد الله إخـــوان .

ألا نفوس أبيات لها همم                     

    أما على الخير أنصار وأعـوان .

لمثل هذا يذوب القلب من كمد                

 إن كان في القلب إسلام وإيمان .

وكذلك لما جاء الصليبيون إلى بلاد المسلمين واحتلوا المسجد الأقصى واحتلوا بلاد الشام وفعلوا الأفاعيل بالمسلمين والمسلمات كان أحد شعراء المسلمين يعبر عن هذا الواقع السيئ، ويتكلم عن المساجد التي جعلوها أديره وعن المحاريب التي جعلوا فيها الصلبان، ويقول:

أما لله والإسلام حــق      

يدافع عنه شبان وشـــيب .

فقل لذوي الكرامة حيث      

 كانوا أجيبوا لله ويحكم أجيبوا .

2-القياس بالمصالح الشخصية :

 مظهر آخر من مظاهر جمود الإحساس عند كثير من المسلمين، وهو القياس بالمصالح الشخصية تجد المسلم مثلا يقيس كل ما يرى أو يسمع  على  مصالحه الذاتية والشخصية حتى إنك ربما رأيت مسلماً يحضر مشهداً أو مجمعاً تجمع فيه تبرعات لمشروع إسلامي أو مؤسسة خيرية أو جهاد هنا أو جهاد هناك فإذا رأى أكوام المال لا يسر ويغتبط ويبتهج، بل ربما افتر ثغره عن ابتسامة وقال: "والله لو كانوا يعرفون حالي  لأعطوني هذا المال حتى أكمل به بناء بيتي أو حتى أتزوج به أو حتى أسدد به ديني"

 إذا صارت القضية قضية مصالحنا الشخصية، وقضية همومنا الذاتية. فالواحد لا تتعدى همومه ومطامحه أن يكون له بيت يسكنه أو زوجة يأوي إليها أو أن يسدد ديناً عليه أو ما أشبه ذلك من القضايا الذاتية الخاصة التي لا تتعلق بمصالح المسلمين الكبرى.

3- الهروب من مواجهة الواقع :

 مظهر ثالث من مظاهر جمود الإحساس وعدم المشاركة مع المسلمين في مشاعرهم وهو الهروب من مواجهة الواقع المر بشتى الحيل، نحن كثيراً ما نتحيَّل لنهرب من واقع نعتقد إنه واقع غير جيد فأحياناً تجد بعض الناس يتلكم عن الواقع على أنه واقع جيد متفائل وأنه لا داعي للاهتمام، وكثير من الناس يقولون أنتم لماذا تهولون الأمور؟ ولماذا تضخمون ولماذا تبالغون؟ الأمور بخير والمسلمون بخير، والناس لا يزالون بخير، ويبدأ يتكلم عن بعض الجوانب الإيجابية، المساجد ممتلئة بالمصلين ... الجوامع تمتلئ ... طلبة العلم موجودون يتكلم عن الجانب الذي نستطيع أن نقول: إنه جانب مشرق ، وقد يبالغ في الكلام عن هذا الجانب ليقول لنا : ناموا ملء جفونكم وارتاحوا والإسلام بخير ولا داعي للقلق الذي تشعرون به لماذا يحدث هذا من أجل أنه لا داعي لأن نهتم أو نكترث الأمور بخير إذا ناموا ولا تستيقظوا.

وعلى النقيض من ذلك: تجد هذا الإنسان نفسه أحياناً لما تأتي لتتحدث عن أوضاع المسلمين والصعوبات التي يواجهونها وعن قضايا الفقر وقضايا الجوع وقضايا المرض وقضايا التخلف وقضايا سيطرة أعدائهم و و إلى غير ذلك من المشاكل يأتي فيقول الشيخ: هذه أمور أكبر من إمكانياتنا وأكبر من طاقاتنا وأكبر من حجمنا، فلا داعي للتفكير فيها هذه لا يمكن أن أقوم بها أنا أو أنت هذه تحتاج أحد ثلاثة أمور: إما المسيح عيسى ابن مريم ينزل من السماء وإما المهدي الموعود الذي أخبر به النبي –صلي الله عليه وسلم- أو المجدد الذي أخبر  النبي  –صلي الله عليه وآله وسلم – أيضا أنه يبعث على رأس كل مائة سنة فيجدد لهذه الأمة أمر دينها([4])، أما أنا وأنت فأين نقع مما يريد المسلمون لا حول لنا ولا قوة ولا طول وهكذا يبدأ يضرب على  الوتر الآخر أن مصائب المسلمين أكبر من أن نستطيع حلها.

إذا هو يهرب من هذا الواقع إما أن يهون الواقع بحيث  لا يحتاج  إلى أن نصلحه أو يضخمه بحيث لا نستطيع أن نصلحه ومقصوده من هذا وذاك أن يهرب بشتى الحيل من هذا الواقع.

 

4- الكيل بمكيالين :

أما المظهر الرابع وهو من أعاجيب أمرضنا التي نعيشها فهو أنني لاحظت أن كثيراً من الناس بل حتى أحياناً من إخواننا من طلبة العلم ومن الدعاة إلى الله عز وجل من يكيلون بمكيالين مختلفين .

 وأضرب لك مثلاً على  ذلك قد تسمع مسلما يتكلم عن أو قد تسمع إنسانا يتكلم عن طائفة من المسلمين في بلد ما وما أصابهم وما نزل بهم فيقوم وينسب إليهم أخطاء وأنهم فعلوا وفعلوا وأنهم ارتكبوا جنايات وارتكبوا جرائم وحملوا السلاح واستخدموا العنف، ويبدأ يتكلم عن أخطاء هؤلاء المسلمين فيما يعتقد هو أو يزعم أن لهم أخطاء وقعوا فيها .. فتجد عند هذا الإنسان الذي هو داعية أو طالب علم تجد عنده ميلاً إلى تصديق ما ينسب إلى هؤلاء الدعاة أو هؤلاء العلماء من الأخطاء تصديق ما ينسب إليهم فيحاول أن يصدق هذه الأخطاء لماذا لأنه إذا صدق الأخطاء المنسوبة إليهم أصبح معذوراً إذا لم ينصرهم ولم يدافع عنهم لأن لسان حاله يقول: يستأهلون ما دام سووا كدا إذا هم يستأهلون ما وقع وأشد  فيميل إلى تصديق ما يقال عنهم حتى يخرج بعاذرة عن أن يقوم بنصرتهم، ونسي أن من خذل أخاه المسلم خذله الله تعالى في موقف يحتاج فيه  إلى نصرة هذا مكيال مع إخواننا المسلمين لكن هذا المكيال نفسه لا يكون مستمراً مع أعدائنا.

 أما إذا سمع الواحد مثلاً خبراً عن فساد قام به الأعداء عن منكر فعلوه .. عن جريمة ارتكبوها فإنه لا يسارع إلى التصديق كما سارع في المرة الأولى وإنما يلجأ إلى الكذب والاحتمالات ويقول : يتثبت من هذا الأمر ويتأكد منه وينظر في صحته لأنه يحتمل أن يكون مزورا ويحتمل أن يكون ملفقاً ويحتمل .. ويحتمل .. لماذا؟ لأن هذا العمل أيضا – الذي هو التشكيك فيما عمله الأعداء – يعفيه من المقاومة ، ما دام إنه في شك مما حصل من العدو إذا لا داعي لأن تقاوم كيد العدو أنت مثلا لم تتأكد من حصول المنكر فلست مطالباً بتغييره لأنه يمكن يكون ما حصل .. يمكن الذي أخبرك ما هو صادق يمكن .. يمكن .. فيلجأ الإنسان إلى التشكيك في الخبر لأن هذا التشكيك يجعله معذوراً إذا لم ينكر .. إذا لم يقاوم .. لماذا لا تقاوم؟ لأن الخبر غير أكيد .. نحن نحتاج إلى أن نتثبت منه .. طيب جميل هذا التثبت .. لماذا لم يكن هذا التثبت حين سمعت عن إخوانك المسلمين ما سمعت .. حين سمعت عن طلبة العلم ما سمعت .. حين سمعت عن الدعاة ما سمعت .. لماذا لم تتثبت هنا أو هناك؟ وإذا كنت سوف تصدق الأقاويل والشائعات فلماذا لا تصدقها هنا وهناك أيضا؟ لماذا تكيل بمكيالين؟ مكيال مع إخوانك المسلمين يميل  إلى  تصديق كل ما ينسب إليهم، ومكيال مع الأعداء يميل  إلى تكذيب ما يفعلون من أعمال ومنكرات وجرائم حتى تكون معذوراً في الحالين . هذا لا يجوز ولا يليق وهو يدل على  ضعف التعاطف الذي أخبر عنه  النبي –صلي الله عليه وسلم-“مثل المؤمنين في توادهم وتراحمهم وتعاطفهم كمثل الجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو واحد تداعى له سائر الأعضاء”([5]). أين التراحم أين التواد أين التعاطف؟ أين الجسد الواحد أين البنيان المرصوص يشد بعضه بعضاً؟ هذه أصبحت –مع الأسف الشديد- أصبحت أشبه ما تكون بالأحلام، وأصبح والله الأمر كما قال أحدهم:

على بعضهم بعضاً أسوداً أشدة       وحولك أقصاهم نعامة فدفد

فأما على إخوانه المسلمين فهو شجاع يمتطي صهوات المنابر أو الكتب أو المجالس ولا يبالى. أما على الكفار فهو أذل من الأمة.

حضر رجل عند عبد الله بن المبارك فتكلم في أحد إخوانه المسلمين، فقال له عبد الله بن المبارك: هل غزوت فارساً؟ قال: لا ، قال غزوت الروم؟ قال: لا قال: غزوت الهند والسند؟ قال: لا . قال: أفسلمت منك فارس والروم والهند والسند، وما سلم منك أخوك المسلم.

المصيبة أننا إذا عجزنا عن مواجهة الواقع المرير فإننا قد نشتغل بأخطاء المسلمين ونضخمها أو نفتعل أخطاء غير واقعة لندندن حولها.

خلاصة استقراء واقع المسلمين اليوم :

والحصيلة من خلال هذه المظاهر التي ذكرناها والتي تبدو في تصرفات وردود أفعال قطاعات عريضة ممن ينتسبون إلى الإسلام اليوم،  إننا نستطيع أن نقول:

إن المسلم اليوم أمام قوم يعيشون لذواتهم أكثر مما يعيشون لدينهم، بل إن كثيراً منهم يعيش لذاته فحسب ولا يتحرك الإسلام ولا يعيش هم الإسلام في قلبه. إذا هم الإسلام في قلوب المسلمين ضعيف. هذه فائدة أو خلاصة نستطيع أن نخرج بها من خلال هذه الأمثلة وهذه النماذج أن هم الإسلام في قلوب المسلمين ضعيف ذلك الذي يتقلب على فراش حسرة أو قلق أو توتر أو أرق أو حزن لمصيبة نزلت بالمسلمين أو لـ ليس فقط لمصيبة نزلت بالمسلمين أو حتى لعمل يمكن أن يخدم من خلاله المسلمين، هذا النموذج من الناس هو أقل من القليل .

- ما المطلوب منك أن تقدمه للإسلام والمسلمين اليوم :

وفي مقابل هذا لاشك أن هناك صورة إيجابية ممن يعيشون هم الإسلام وممن جعلوا هدفهم تحقيق أكبر قدر ممكن من المكاسب للإسلام وللدعوة الإسلامية ممن قرروا أن يشاركوا في تحمل مسئولية الإسلام بأيديهم ولو كانت أيد واهنة ضعيفة لكنها قوية بقوة الله عز وجل، سواء في ذلك المسلمون المعاصرون من شباب الإسلام ذكوراً وإناثاً ممن اتخذوا قرارا بحمل رسالة الإسلام والدعوة إليه أو حتى من المسلمين السابقين الذين كانوا عبر العصور السابقة كلها لم يكن المسلم منفصلاً يعيش الإسلام في جزء من واقعه وفي بقية أجزائه للدنيا كلا! بل كان المسلم يعيش هم الإسلام ظاهراً وباطناً وفي كل مجالات حياته، وليس شرطاً أن الأمر الذي سوف أتحدث عنه الآن هو ما نريده من كل إنسان، فنحن لسنا مثاليين أو مغرقين في الخيال نتوقع أن يستيقظ الناس ذات يوم فإذا بالأمة كلها قد تحولت  إلى دعاة وإلي علماء وإلي مخلصين وإلي صادقين وإلي مجاهدين ، لا ليس شرطاً بل نحن نقول – كما قلنا سابقاً ومراراً – أن المطلوب من كل إنسان أن يقدم للإسلام ما يستطيع، وإن كان شيئاً يسيراً؟ وإن كان قضيباً من أراك.

ولكن مع ذلك نحن على يقين كالشمس أن هذا الواقع الذي تعيشه الأمة منذ سنين طويلة لا يمكن أن يتغير إلا من خلال فئة على الأقل يكون هم الإسلام هو الهم الذي يقعدها ويقيمها – هو الهم الذي يقلقها ويملأ عليها حياتها ويسد عليها منافذها، فبه تحيا وبه تموت، وعليه تنام وعليه تستيقظ، ومن أجله تحزن وتفرح وترضى وتسخط وتسر وتبتئس ،فهو همها الأول والأكبر والأخير، هذا لا يعني أنهم يعني نسوا هموم الدنيا فهم بشر كالبشر حتى رسل الله وأنبياؤه عليهم الصلاة والسلام يأكلون الطعام ويمشون في الأسواق ويستمتعون بما أحل الله تعالى لهم من الأكل والشرب والنكاح وغيره من أطايب الحياة الدنيا، ولكن مع ذلك كله لم يشغلهم هذا عن الهم الأكبر الذي هو هم الإسلام والمسلمين.

هذه الفئة لابد منها وما لم توجد فمعناه أن المسلمين يدورون في حلقة مفرغة ولا يمكن أن يخرجوا من هذه القوقعة التي يعيشون فيها.

-اكتشاف واستغلال الطاقات الإنسانية :

ومن المعلوم أن هذا الإنسان الذي تحدثنا عنه قبل قليل الذي هو قوام الحضارات المادية والحضارات الدينية ، لا قيام للحضارات كلها إلا بهذا الإنسان، لابد من العناية به، والسعي للبلوغ به إلى أسمى مراتبه ومراقيه فكثير من الناس يضعون خطط نظرية ويرسمون المناهج ويضعون المشاريع الطويلة العريضة ويتكلمون عنها ولكن هذه الأشياء تقع حبراً على  ورق لماذا؟

لأن الإنسان الذي يمكن أن ينفذ هذه الخطط وهذه المشاريع ويقوم بهذه الأعمال ويحقق هذه الإنجازات هذا الإنسان غائب، وبالتالي إذا كان غائباً يبقى  الكلام حبراً على ورق. لأن الذي يمكن أن يعلق الجرس كما يقال وهو الإنسان مفقود فتبوء هذه المشاريع بالفشل.

المواصفات الواجب توافرها فيمن يحمل هم الإسلام :

إذاً نحن نحتاج  إلى الإنسان الذي يحمل هم الإسلام، ولكن هذا الإنسان الذي يحمل هم الإسلام – أيها الأحبة – له مواصفات أو له شروط سوف أتحدث عن شيء أو جانب كثير منها: لابد لمن يحمل هم الإسلام أن يكون الإسلام في قلبه شعوراً فياضاً يملك عليه لبه ومشاعره يتحكم في أحاسيسه كما أسلفت حزنه وسروره اكتئابه وانبساطه غضبه ورضاه، كل ذلك مربوط بقضية الإسلام الكبرى.

- أمثلة من حياة الرسول صلى الله عليه وسلم توضيح معالم شخصية من يحملون هم الإسلام :

(1) على سبيل المثال محمد – صلى الله عليه وآله وسلم – اقرأ الأحاديث التي تكون فيها عبارات الحزن والرضا والسرور والفرح بما يتعلق بسيرة الرسول –صلى الله عليه وسلم- مثلاً : خرج  صلى الله عليه وسلم فزعاً مذعوراً، رأيته –صلي الله عليه وسلم- مسروراً، رأيت البشر في وجهه رؤي في وجهه الغضب، خرج صلى الله عليه وسلم تبرق أسارير وجهه، فتغيظ رسول الله – صلى الله عليه وسلم – هذه الكلمات المعبرة عن مشاعر من غيظ أو غضب أو حزن أو رضا أو سرور أو ما أشبه ذلك. ثم انظر هذه الأشياء فيما كان غضبه ورضاه صلى الله عليه وسلم، فيما كان حزنه وسروره، فيما كان هذا الشعور؟ لا تكاد تجد ذلك إلا في قضية مرتبطة بقضية الإسلام الكبرى بقضية الدعوة التي ملكت على الرسول – صلى الله عليه وسلم – كل مشاعره وأحاسيسه

(2) وأنا أضرب لذلك أضرب لك على ذلك مثلاً : البخاري – رحمه الله – في كتاب "المناقب" في صحيحه يقول : باب صفة النبي – صلى الله عليه وآله وسلم – ثم ذكر أحاديث كثيرة منها حديث عائشة أن النبي – صلى الله عليه وسلم – دخل عليها مسروراً تبرق أسارير وجهه فقال يا عائشة ألم تري أن مجززا المدلجي نظر إلى أسامة وزيد وعليهم قطيفة نظر إلى أقدامهم فقال : إن بعض هذه الأقدام لمن بعض. طيب لماذا فرح الرسول  صلى الله عليه وسلم – وسر ؟ لأن أسامة بن زيد كان أسود، وأبوه زيد لم يكن كذلك – زيد بن حارثة – فكان بعض المغرضين والمنافقين وضعفاء الإيمان يتكلمون في أسامة بن زيد وفي نسبه من أبيه. فالرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يؤسفه ذلك ويزعجه خاصة مع علاقتهم ببيت النبوة فلما جاء مجزز المدلجي وهو كان قائفاً يعرف الأشكال والصفات والهيئات وكانوا قد غطوا بقطيفة فهو لا يرى  وجوههم، لكن رأى أقدامهم خارجة فقال: بعض هذه الأقدام من بعض([6]) – فسر لذلك النبي – صلى الله عليه وآله وسلم –

(3) مثال آخر ذكره البخاري عقب الحديث السابق، وهو حديث كعب بن مالك في تخلفه عن غزوة تبوك وكيف أنه كان يقول : "لما سلمت على النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو يبرق وجهه من السرور، وكان إذا سر صلى الله عليه وسلم تهلل وجهه حتى كأنه فلقة قمر أو كأنه قطعة قمر وفي رواية "دارة قمر"([7]).

تهلل وجه النبي صلى الله عليه وسلم للإنجاز الذي حققه المسلمون ولرؤيته لبعض أصحابه – رضي الله تعالى عنهم – .

(3) حديث أبي هريرة: أن النبي – صلى الله عليه وسلم – ما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله وإلا تركه([8]).

قال الآن أنا وأنت سرورنا لماذا؟ يمكن سرورنا للطعام أكثر من سرورنا لقضية الإسلام، فالواحد منا إذا قدم له طعام جيد .. جيد الطهي .. جيد الطبخ ألوان مختلفة يسر لذلك وتنبسط نفسه لماذا؟ لأن اهتماماتنا دون . لكن قضية الإسلام قد لا تعنينا بنفس القدر، لكن الرسول – عليه الصلاة والسلام – كان على النقيض من ذلك، فهو – عليه الصلاة والسلام – ما عاب طعاماً قط. قضية الطعام عنده ليست عنده مشكلة، كيف طهي الطعام؟ ما نوع الطعام لا يعيب إذا أعجبه أكله وإذا لم يعجبه تركهوالمقصود بلا شك الطعام المباح، أما لو كان طعاماً محرماً فإنه ينهى عنه – صلى الله عليه وسلم – ويعيبه . إنما المقصود الأطعمة المباحة، فانظر كيف كان حال رسول الله  صلى الله عليه وآله وسلم.

من جانب آخر أنت ولا شك تسمع كثيراً وتقرأ في كتب الأدب والشعر وغيرها كيف أخبار العشاق بعضهم مع بعض؟ وكيف أن مشاعر العشاق تتوحد حتى تصبح كأنها شعور واحد .. حتى كأنهم روحان حلا في بدن واحد بل دعنا من هذا الحديث وما يتعلق به. خذ ما يتعلق بالأم ومشاعرها تجاه ولدها، كيف يكون شعور الأم مع ولدها إذا غاب عنها؟ أو كان في حالة مرض أو كان يعمل له عملية جراحية أو خاض معركة .. كيف يكون شعور الأم تجاهه؟ يمثل ويتحدث عن هذا الشعور أحد الشعراء المبرزين الذين أودعوا في غياهب السجون لأنهم متمسكون بدينهم حريصون على دعوتهم فهو يتحدث عن مشاعر أمه تجاهه ويقول مخاطباً أمه يقول:

ألقيت بين يديك السيف والقلما            

 لولا الإله لكنت البيت والحرما .

أنت الهذا والمنى أنت العنا            

  وأنا على ثراك وليد قد نما وسما .

أماه .. أماه هذا اللحن يسحرني         

 وينثر العطر في جنبي مبتسماً .

ماذا لطيفك في دنياي يتبعني          

   أنى سريت وقلبي يجحد النعما .

حتى وقعت أسير البغي فانصرفت      

 عني القلوب سوى قلب يسيل دماً .

أصحو عليه وأغفو وهو يلفظني            

قلب ضعيف ويغزو الصحو والحلما .

ويدخل السجن منسلاً فيدهشني         

إذ يستبيح من الطغيان شر حمى .

يقول: قلب أمي دائماً يلاحقني في كل مكان أصحو وأنام على  قلب أمي .

أصحو عليه وأغفو وهو يلفظني             

 قلب ضعيف ويغزو الصحو والحلما.

ويدخل السجن منسلاً فيدهشني             

إذ يستبيح من الطغيان شر حمى .

فإن رآني في خير بكى فرحاً                 

وإن رآني في سوء بكى ألماً .

انظر كيف توحدت مشاعر الأم مع مشاعر ولدها حتى أصبح شعوراً واحداً وقلباً واحداً . إن رأته مسروراً بكت فرحاً، وإن رأته محزوناً بكت ألماً إلى هذا الحد.

أخي الحبي إن العواطف الغريزية لا يستطيع إنسان إنكارها ، حبك لأولادك هذه غريزة لا تنكر ولا أحد يلومك عليها إنها عاطفة الأبوة ،كذلك شعورك تجاه والديك لا نلومك عليه، لكن نريد شعوراً مشابهاً أيضاً تجاه الإسلام... تجاه قضايا الإسلام والمسلمين نريد منك على أقل تقدير أحزان تعصف بقلبك إذا سمعت مصيبة أو منكر، وهذا أضعف الإيمان يا أخي هذا الذي قال الرسول – عليه الصلاة والسلام– فإن لم يستطع فبقلبه على أقل تقدير نريد منك يا حبيبي دموعاً من أجل الإسلام والمسلمين .. من أجل مصائب الإسلام والمسلمين في كل مكان. نعم الدموع قضاء العاجزين لكن هذا أقل ما نريد منك – هذا أقل ما تستطيع ، ونحن على  ثقة أن هذه الدموع إذا كانت دموعاً صادقة ليست دموع التماسيح والممثلين إذا كانت دموع صادقة فنحن على ثقة أن هذه الدموع سوف تصنع شيئاً ولو بعد حين. إذاً لابد من المشاعر أن تكون مرتبطة بالإسلام وما يتعلق بالإسلام حتى في الحال التي لا تستطيع أن تعمل فيها شيئاً لهذا الدين فإنك يجب أن تكون ذا قلب يحزن كما قال القائل:

يا راحلين  إلى البيت العتيق         

 لقد سرتم جسوماً وسرنا نحن أرواحاً .

إنا أقمنا على عذر نكابده           ومن أقام على عذر كمن راح .

يقول النبي – صلى الله عليه وسلم – فيما رواه البخاري عن أنس ، ومسلم عن جابر: “إن بالمدينة أقواماً ما سرتم مسيراً ولا قطعتم وادياً إلا كانوا معكم” ([9]) وفي رواية “إلا شركوكم  في الأجر حبسهم العذر” إذا هم بمشاعرهم بعواطفهم بقلوبهم معكم تقطعون الأودية والفيافي والقفار وهم معكم تنزلون في الصحراء في الهجير وهم معكم ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم وشركوكم في الأجر حبسهم العذر ومن قبل عز الله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم، وسلاه عما يلقى من أذى المشركين ونهاه عن أن يحزن قال: ){ فلعلك باخع نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفاً } [ الكهف: 6 ]

وفي مواضع كثيرة يقول الله عز وجل: { ولا تحزن عليهم ولا تك في ضيق مما يمكرون } [ النحل : 127] لماذا؟ لأن قلب الرسول – صلى الله عليه وسلم – كان يحزن حين يرى إعراض المعرضين وتكذيب المكذبين ويرتبط بقضية القبول بهذا الدين أو الرفض له فنهاه الله تعالى عن ذلك، وليس المقصود النهي عن ذات الحزن، لا! لأن الحزن أمر فطري ولكن المقصود النهي عن الحزن الذي يقعد الإنسان عن العمل أو يضر به.

 وإلا فنحن نعلم جميعاً  قصة الرسول – صلى الله عليه وآله وسلم – التي رواها البخاري ومسلم في صحيحيهما عن عائشة قالت يا رسول الله ! هل أتى عليك يوم هو أشد من يوم أحد؟ قال: " لقد لقيت من قومك ما لقيت وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة إذ عرضت نفسي على  ابن عبد يا ليل بن عبد كلال فلم يجبني  إلى  ما أردت" هذا في الطائف سخروا منه – صلى الله عليه وسلم – واستهزأوا به قال واحد منهم: ما في الدنيا واحد أحسن منك يرسله الله سبحانه وتعالى ، وقال آخر: أنا أمزق ثياب الكعبة إن كان الله أرسلك، ورد عليه الثالث رداً خبيثاً، فحزن لذلك الرسول – عليه الصلاة والسلام – وقام من عندهم قال: “فانطلقت وأنا مهموم على وجهي فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ” ([10]) انظر  المسافة بين الطائف وبين قرن الثعالب مسافة كيلو مترات قطعها النبي – صلى الله عليه وسلم – وهو مهموم غير مستفيق لم يدر بمسيره ذاك ولا باتجاهه إلا وهو بقرن الثعالب ([11]) مع أنه صاحب القلب الكبير، وصاحب القوة، وصاحب الجلد، وصاحب الصبر .. المؤيد بالوحي من السماء – صلى الله عليه وآله وسلم – لكن مشاعره تكيفت مع هذا الدين فرحاً وغضباً وسروراً ورضاً وغير ذلك .

فالمنهي عنه أن يكون هناك غضب أن يكون هناك حزن يمنع الإنسان من قضية الدعوة أو يقعده عنه أو يستبد به أما كون الإنسان يحزن إذا ردت دعوته فهذا أمر فطري لا يملك الإنسان دفعه ولا يكلف الإنسان أن يدفعه عن نفسه شرعاً.

حاجتنا إلى القلق :

وكأني بقائلٍ يقول : عجبًا لك أيحتاج إنسان إلى القلق والجميع ينشدون التخلص منه نعم  أيها الأحبة: نحن نحتاج  إلى الأرق، ونحتاج إلى القلق، ونحتاج  إلى التأوهات والتوتر والتنهدات والأحزان وهذه وإن كانت أشياء سلبية إلا أنها هي البداية الضرورية التي لابد منها.

نحتاج إلى أن يترفع المسلم عن أن يكون همه محصورا في فوز فريق الرياضة أو فشل فريق آخر أو اعتزال فنان أو لاعب أو ارتفاع سعر الشعير أو انخفاضه مثلاً. لأ، ينبغي أن ترتقي هموم المسلم عن أن تكون مثل هذه الهموم الصغيرة التي إنما يشتغل بها من لا هم له.

هناك نظرية أيها الأحبة تتعلق بقضية الهم التي يحملها المسلم نظرية لأحد المؤرخين الغربيين واسمه "أرنولدت ومبي" وتسمى هذه النظرية: نظرية (التحدي والاستجابة) أو (التحدي والرد) يقول: " إن التاريخ أو إن الحضارات تقوم على  أساس وجود تحديات تواجه الإنسان فيحتاج الإنسان إلى أن يستجمع قواه الفردية والجماعية من أجل مواجهة هذا التحدي والانتصار عليه وبذلك يتحقق وجود الإنسان ويستطيع الإنسان أن يتغلب  على ما يواجهه من مشكلات ومصاعب" نحتاج إلى هذه النظرية في هذا الحال. صحيح إن هذه النظرية ليست مطلقة .. ليست نظرية صحيحة من كل جوانبها، لكن المسلمين اليوم يواجهون تحديات كبيرة .. تحديات من داخلهم، وهي كثيرة بل هي أصعب من التحديات التي يواجهونها من خارجهم لأنهم لو تنقى الصف الداخلي لم يضرنا كيد عدونا شيئاً لكن مشكلة المسلمين الأساسية في داخلهم وكما يقول المثل .. أظنه الشامي يقول: "سوس الخل منه وفيه".

فمشكلات المسلمين بالدرجة الأولي من داخلهم، ومع ذلك فهم يواجهون مشكلات صعبة جداً من خارجهم، ولمواجهة هذه التحديات الداخلية والخارجية نحتاج  إلى مسلم يشعر بهذا التحدي، ويعمل على مواجهته.

ألم تروا أحبتي الكرام : إلى الأقليات في العالم كله، في كثير من الأحيان تكون هذه الأقليات منتجة وفعالة .. وقوية .. وغنية .. وذات نفوذ.

ماذا أعني بالأقليات؟ قد تجد مثلاً أقلية يهودية في بلد معين .. عددهم قليل فتجد هؤلاء اليهود  يشعرون بأن المجتمع كله ضدهم، فيبدأون يخططون في تربية أولادهم في تعليمهم، في إيصالهم إلى أرقى المستويات، في دعمهم يعملون على الوصول إلى الاقتصاد يعملون على الوصول إلى الأماكن المهمة حتى تكون هذه الأقلية ذات نفوذ كبير، وقل مثل ذلك بالنسبة للأقليات المنحرفة.

قد تكون أقلية – مثلاً – شيعية في بلد سني، قد تكون أقلية نصرانية في بلد مسلم تجد هؤلاء .. أو أي أقلية يعني بدون بغض النظر عن نوعية هذه الأقلية، حتى لو كانت أقلية عرقية من حيث جنس معين أو لون معين أو أسرة معينة أو قبيلة معينة تجد هذا الأمر تجد أن هناك شعوراً بالتحدي يدفعها إلى أن تكافح وتناضل وتعمل على الوصول إلى مواقع مهمة حتى تثبت وجودها، وتمنع نفسها من أن تظلم أو تهضم أو ينقص قدرها .. لماذا؟ لأنها تشعر بالتحدي.

أما المسلمون اليوم فأكثر ما يركز عليه عدوهم هو ألا يكون لدى المسلم شعور بالتحدي أن يشعر المسلم بأن الأمور ما فيها تحدي ما فيها مواجهة ولذلك من أغرب الدعوات الخطيرة التي أصبحت اليوم تعرض في الإعلام العربي وغير العربي قولهم : أنتم مخطئون  شغلتمونا بالكلام عن أعداء الإسلام، وأعداء الدين، وعن اليهود والنصارى، والكفار ونحو هذا الكلام .

وقد قرأت مقالات - والله يشيب لها الرأس - من مثل هذا الكلام يقول الناس يحملون أسماء أحيانا مع الأسف عربية وأسماء إسلامية يقولون: "أبدا انتهى هذا الكلام لم يعد يصلح تقسيم العالم  إلى مسلمين وكفار ولا إلى أعداء للإسلام وأولياء للإسلام، القضية الآن قضية شرق وغرب .. شرق متخلف وغرب متحضر والعلاقة بينهما علاقة مصالح متبادلة .." حتى إن إحدى الصحف المصرية كتبت مقالاً عنوانه : "أسطورة اسمها أعداء الإسلام" هكذا " أسطورة اسمها أعداء الإسلام " إذاً أنتم ضائعين تقولون لا يوجد أعداء للإسلام، وبالتالي ليس هناك داعي أن تشعروا بالتحدي، أو أن هناك عدو يتربص بكم ، أو أن هناك أمم تعد العدة لكم. لا داعي لذلك وبالتالي لا داعي لأن تقاوموا أعداء الإسلام ولا أن تحاربوهم ولا أن تقفوا في وجوههم لا داعي لشيء من هذا، هذا ما يهم به الأعداء هو أن لا يشعروا المسلمين بأن هناك تحدي يواجههم ويتطلب منهم الرد والمقاومة والاستجابة لهذا التحدي([12]) .

ولكن خذ قولة ناصحٍ أمين لا شك أن إحساس المسلم  بعداوة الكافرين وكيدهم  هو النار التي يمكن أن تنضجه، فالمسلم – حتى الصادق الآن – هو مثل الحطب إذا لم تشتعل فيه النيران فلن تحصل منه على الدفء لن تحصل منه على الحرارة ، لن تحصل منه على الإنضاج لن تحصل منه على الإضاءة لابد أن توقد هذه النيران حتى تجد المسلم الفعال الذي يشعر بالهم تجاه قضية هذا الدين ، وبالتالى هذا هو الذي يمكن أن يرشد آراء الإنسان يصحح تصوراته يجعله صاحب مبدأ ، العرب تقول : ويل للخلي من الشجي.

كثيرا ما تخوض نقاشا مع إنسان ، إنسان ما يحمل هما .. ما يحمل فكرا .. كل ما في الأمر عنده قضية بعيدة كل البعد ، ولذلك هو لا يفكر كيف يحقق نصرا للإسلام كيف يحقق مكسبا لهذا الدين ؟ كيف يحبط مؤامرات العدو ؟ كيف ينتصر على عدوه ؟ لا !  إنه ينظر إلى قضايا قريبة جدا وبالتالى يفكر فهو واد وأنت في واد آخر .

أهمية إذكاء المشاعر وتوجيه العواطف :

يتحدث كثير من الناس عن الفكر حتى إني سمعت أحد المفكرين يقول : " إن الفكر هو أساس العمل " ويقول :

إنما الأمم الأفكار ما بقيت     

 فإن هم صلحت أفكارهم صلحوا

ونحن مع إيماننا العميق جدا بأن الفكر ضروري جدا لبناء أمة صحيحة السلوك صحيحة العمل ، وهذا لا شك فيه إلا أنني أعتقد أن مشاعر الإنسان وأحاسيسه الداخلية .. مشاعره وأحاسيسه هي ذات دور كبير في صياغة فكر الإنسان وصناعة تفكيره ، ولذلك يبدي الشاعر المسلم المعروف محمد إقبال حزنه وانزعاجه من الجمود الذي أصاب التفكير وأصاب الشعور لدى المسلمين في قصيدته المعروفة فيقول :

         أرى التفكير أدركه خمـول         

ولم تعد العزائم في اشتعال

        وأصبح وعظكم من غير سحر       

 ولا نور يطل من الـمقال 

        وعند الناس فلسفة وفكـر          

 ولكن أين تلقين الغــزالي

 وجلجلت الأذان بكل صوت       

 ولكن أين صوت من بلال

 منائركم علت في كل حي              ومسجدكم من العباد خالى

إذا الصورة موجودة لكن الحقيقة غائبة ، المنائر موجودة والعباد غائبون جلجلة الأذان لكن صوت بلال ترنيمته صدقه إخلاصه روحانيته غائبة ، الفكر موجود لكن حقيقة هذا الفكر روحه سره غائبة .

إذا هذه هي النقطة الأولى ، وإن شئت فسمها الشرط الأول فيمن يحمل هم الإسلام أنه لابد أن تتكيف مشاعره وعواطفه وأحاسيسه : فرحه .. رضاه .. حزنه .. سروره .. غضبه مع قضية الإسلام الكبرى فهي التي تعيش معه، تنام معه إن نام وتستيقظ معه إن استيقظ ، بل أقول تستيقظ معه حتى  وهو في منامه فتجد أحلامه ومرائيه في منامه تدور حولها .

هم الإسلام بين السلف والخلف :

قضية أخرى أن من يحمل هم الإسلام فإن كل  شيء  يذكره بقضيته الكبرى قضية الإسلام الكبرى، ما يشاهد ما يسمع ما يحس دائما يذكره بقضية الإسلام ومرة أخرى انظر في المشاعر البشرية ، مشاعر البشر مع البشر .

- هذه الخنساء توفي أخوها صخر وقصتها معروفة وشعرها فيه لكن كانت تقول :

تذكرني طلوع الشمس صخراً              وأذكره لكل غروب شمس

         فلولا كثرة الباكين حولي                  

   على إخوانهم لقتلت نفسي

هذه امرأة في الجاهلية وقد زينها الله تعالى في الإسلام فأقلعت عن مثل هذا لكنها كانت تتذكر أخاها مع طلوع الشمس ومع غروبها .

 ومثل أيضا حارثة أبو زيد لما غاب منه زيد وفقد ه في صغره كان يتغنى ويبحث عنه ويقول :

بكيت على زيد ولم أدر ما فعل           

  أحي فيرجى أم أتى دونه الأجل

فوالله ما أدرى وإني لسائل                 

أغالك سهل الأرض أم غالك الجبل

تذكرنيه الشمس عند طلوعها             

  وتعرض ذكراه ، إذا غربها أفل

وإن هبت الأرياح هيجن ذكره             

  فيا طول ما حزني عليه وما وجل

سأعمل نصف العيش  في الأرض جاهداً      

ولا أسأم التطواف أو تسأم الإبل

حياتي أو تأتي علي منيتي                  

 فكل امرئ فان وإن غره الأمل

فيظل يتذكر ولده الذي فقده من سنين مع الشمس .. طلوعها وغروبها مع الرياح مع الذهاب مع الإياب كلما نزل  في منزل تذكر زيدا ، كان زيد هاهنا . هذه مشاعر البشر مع البشر فما بالك بمشاعر الإنسان مع قضية كبرى قضية الدين ، لابد أن تكون أرقى وأسمى وأعظم وأعمق من ذاك ، ولذلك انظر في هذه النماذج . المسلم مثلا : حين يسافر إلى بلد معين يشاهد مشاهد ومرائي ويرى مباني ويرى منشآت ويرى جسور وقصور وأمور كثيرة ما الذي يلفت نظره ؟

مثال ذلك نموذج أم سلمة وأم حبيبة .. في البخاري ومسلم “ أنهما ذهبتا فيمن ذهب إلى الحبشة وبعد ذلك رجعوا إلى المدينة المنورة فماذا حدثت أم مسلمة وأم حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم عما رأياه؟

حدثتاه عن كنيسة رأينها بأرض الحبشة يقال لها : مارن ، وما في هذه الكنيسة من التصاوير . إذا الذي لفت نظر أمهات المؤمنين معبد للنصارى توضع فيه التصاوير كيف يصورون مريم ، ويصورون عيسى ، ويعلقونها في معبدهم هذا أمر غريب فقال  النبي صلى الله عليه وسلم – أولئك إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدا وصوروا فيه تلك الصور أولئك شرار الخلق عند الله عز وجل” ([13]).

 كذلك حديث جابر لقد ذكره الذهبي في مختصر العلو للعلي الغفار، وهو عند ابن حبان وابن ماجة وغيرهم أن بعض المسلمين لما جاءوا من الحبشة أيضا سألهم الرسول -  صلى الله عليه وسلم – ما الذي أعجبكم بالحبشة هم الآن ما ذهبوا سواحا  ذهبوا مهاجرين ، لكن شوف كيف مشاعرهم ، ما هي اهتماماتهم ؟  ما الشيء الذي يلفت نظرهم ، فواحد منهم قال : الأمر الذي لفت نظري وأعجبني أني رأيت عجوزا تحمل قربة على ظهرها فجاءها شاب مراهق طائش فدفعها فسقطت هذه القربة فالتفتت إليه هذه العجوز وقالت : سوف تعلم يا غدر إذا نزل الله تعالى يوم القيامة لفصل   القضاء وعرف كل إنسان ماله ، ووفيت النفوس ما كسبت ، كيف يكون جزاؤك ؟ فقال  النبي صلى الله عليه وسلم – " صدقت صدقت ، لا قدست أمة لا يأخذ الضعيف فيها حقه غير متعتع "([14]) .

إذا القضية التي لفتت نظرهم مشهد من مشاهد الاعتداء على كرامة الإنسان من جهة والظلم والتعدي ولو لامرأة عجوز ضعيفة ومن جهة أخرى العجب من معتقد هذه العجوز فإنها تعتقد عقيدة صحيحة أن الله تعالى سوف يبعث الأولين والآخرين وسوف ينزل يوم القيامة لفصل القضاء بين عباده ، وسوف يجزى الظالمين بما كسبوا ، فتعجب  النبي - صلى الله عليه وسلم – وصدقها بما قالت ، وقال : " لا قدست " لا بوركت لا بقيت أمة لا يأخذ الضعيف فيها من الغني .. من القوى حقه غير متعتع  لا يتلجلج ولا يتردد ولا يعيى بالكلام بل يتكلم بلغة قوية فصيحة لأن الحق أنطقه ، لكن انظر مشاعر السواح من المسلمين اليوم ، قد تجد مسلما يسيح في  بلاد الأرض ، فماذا يلفت نظره ؟ المباني .. جمال الطبيعة .. الجبال .. الأنهار .. المشاهد .. المظاهر .. الصور .. الطقس، هذه الأشياء كون الإنسان يعجب بها أو يستحسنها هذا أمر فطري طبيعي لكن لماذا لا يكون شعور المسلم أعظم من ذلك ؟ لماذا لا يتعجب المسلم مثلا من فقدان الإنسانية الموجودة عندهم؟ أو يتعجب المسلم من التقدم الذي أدركوه  في مجالات الصناعة والعلم ولم يدركه المسلمون ويفكر كيف يمكن للمسلمين أن يصلوا إلى ذلك ويحققوا لدينهم نصرا يمنعهم من كيد عدوهم أو يفكر في المؤامرات وفي الخطط الصليبية التنصيرية التي تسعى إلى تحويل المسلمين إلى نصارى   في أفريقيا ، وفى أندونسيا ، وفى غيرها .

المهم أن الإنسان عندما يكون مشغولا بأمر كلما رأى شيئا فإنه يربطه بذاك الأمر الذي يشغل باله، فالإنسان الذي كل همه سرور عينه أو سرور أذنه أو سرور قلبه تجد أنه لا يلفت نظره إلا مظاهر الطبيعة وجمالها أما سوى ذلك فكأنه لا يعنيه في قليل ولا في كثير.

- صورة من مشاعر النبي صلى الله عليه وسلم :

محمد – عليه الصلاة والسلام – النموذج الأكمل لكل مسلم { لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة لمن كان يرجو الله واليوم الآخر وذكر الله كثيرا } [الأحزاب :21] انظر كيف كان هديه وسيرته .

- في صحيح البخاري “أن النبي - صلى الله عليه وسلم – مر على  سبي فإذا امرأة في السبي تمشي فإذا رأت صبياً أخذته وألزقته ببطنها وأرضعته وضمته” إليها فتعجب النبي – صلى الله عليه وسلم – من هذا المشهد واستفاد منه في تربية في ربط ذلك بقضية شرعية، قال لأصحابه – رضي الله عنهم - :“ هل ترون هذه طارحة ولدها في النار. قالوا: لا والله يا رسول الله، وهي تقدر ألا تطرحه. قال: "والله لله أرحم بعباده من هذه بولدها ”([15]) .

صور من مشاعر وأحاسيس الرعيل الأول :

- سعد بن معاذ – رضي الله عنه – قال : يا رسول الله (أيضاً الحديث في الصحيح) يا رسول الله أرأيت لو وجدت مع امرأتي رجلا أكنت أتركه حتى آتي بأربعة شهود؟ قال: نعم . قال: والله يا رسول الله ما كنت أفعل كنت أضربه بالسيف غير مصفح، لا أبالي أضربه وأقتله مباشرة فضحك النبي – صلى الله عليه وسلم – ولكنه استفاد من هذا الموقف في تنبيه الصحابة على أمر آخر أتعجبون من غيرة سعد والله لأنا أغير منه، والله تعالى أغير مني"([16]) إذا حكم الله تعالى نافذ، وغيرة الإنسان إذا تعدت فإنها ينبغي أن تكون مربوطة بالشرع .

- مثال آخر “جيء بمناديل بعد أحد المعارك من حرير جميلة لا عهد للمسلمين بها فصار المسلمون يطيفون بها ويتعجبون، فقال النبي – صلى الله عليه وسلم – أتعجبون من هذه المناديل، والله لمناديل سعد في الجنة أحسن من هذا وأطيب ”([17])  نعم مناديل في الجنة أحسن من هذه، ربط كل قضية تعجب الناس في الدنيا بقضية الدين أو بقضية الآخرة.

يا طيب عهد كنت فيه منارنا           

 فبعثت نور الحق من فاران .

وأسرت فيه العاشقين بلمحة            

وسقيتهم كأساً بـغير جنان .

أحرقت فيه قلوبهم بتوقد الإيمان        

 لا بتلـهب الـــنيران .

لم نبق نحن ولا القلوب كأنها          

  لم تحظ من نار الهوى بدخان .

صورة طريفة للمشاعر الإسلامية الصادقة في العصر الحديث :

- قرأت في بعض الكتب أن مؤذنا أعمى في هذا الوقت كان جميل الصوت حسن الصوت بالأذان فكان في مجلس فسمع أن برجاً في (لندن) عاصمة بريطانيا أظنه البرج الذي توجد فيه الساعة المعروفة بيج بن، سمع أن هذا البرج قد يعني مال بعض الشيء أو سقط أو أصابه شيء فحزن وتأثر لذلك وظهر على وجهه الحزن، فتعجب بعض الحاضرين وقال: مالك يا فلان؟ قال: والله كنت أطمع أن أؤذن عليه يوماً من الأيام.

صراحة هذا حلم قد ينظر إليه البعض على أنه فيه سذاجة فيه بساطة فيه قرب ما في مانع لكن بغض النظر عن سذاجة هذا الحلم أو بساطته إلا أنه يدلنا  على  قلب متوتر لقضية الإسلام والمسلمين .. قلب على الأقل كل همومه وأحلامه تتعلق بقضية الإسلام، وأن يرفع نداء الإسلام وشعار الإسلام من على أعلى المنابر وأعلى المواقع وأعلى الأبنية في بلاد الشرك وبلاد الجاهلية وبلاد النصارى، طيب! إذا ! نعرض أيضاً قضية ثالثة، القضية الثانية أو الشرط الثاني فيمن يحمل هم الإسلام هو أن يكون الإسلام حياً في  ذهنه حاضراً في قلبه فيربط قضايا ما يرى أو يسمع أو يحس بالهم الأكبر الذي يقلقه ويزعجه هم الإسلام

الإسلام بين الإخلاص والمصالح الشخصية :

الجانب الثالث أو الأمر الثالث فيمن يحمل هم الإسلام ، هو أن يبني الإنسان آراءه ونظراته وتحليلاته للأحداث والأشياء على أساس مصلحة الإسلام لا على أساس مصالحه الشخصية فهو من خلال ما يسمع من أخبار وأحداث  وحرب وسلم واضطرابات وقلق هنا أو هناك أو مشاكل أو معارك أو أزمات اقتصادية أو غيرها يبحث عن النفق الذي يستطيع المسلمون أن يخرجوا من خلاله   إلى الهواء الطلق إلى بر الأمان إلى  النور بعيداً عن تسلط عدوهم وبعيداً عن قبضته الآخرة الشديدة فهو يبحث عن مخرج وعن مصلحة للإسلام من خلال كل ما يحس أو يسمع أو يقرأ من أخبار أو أحداث أو تحليلات.

مثال ذلك؛ مثال تاريخي يقول الله عز وجل: { الم * غلبت الروم * في أدنى الأرض وهم من بعد غلبهم سيغلبون * في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد ويومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء وهو العزيز الرحيم } [ الروم : 1-5]  هذه الآية نزلت في مكة وحصل فيها قصة رواها الترمذي و حسن إسنادها ، وكذلك رواها الإمام أحمد، و النسائي و الحاكم وصححها، وكذلك الضياء المقدسي في أحاديثه المختارة التي هي صحيحة عنده على شرطه عن ابن عباس رضي الله عنه أنه لما حصلت المعركة بين الفرس والروم كان المسلمون في مكة يتمنون انتصار الروم لأن الروم نصارى "أهل كتاب" فهم أقرب للمسلمين، وكان العرب الوثنيون يتمنون انتصار الفرس لأن الفرس أيضا وثنيون، فصار هناك – بعدما نزلت هذه الآية – صار بين أبي بكر رضي الله عنه وبين العرب المشركين مقاولة وكلام، فقال لهم أبو بكر: "سوف ينتصر الروم على الفرس" وجعلوا له لذلك أمداً، فقال: أمدكم خمس سنين . مرت خمس سنين ما انتصر الروم على الفرس فجاءوا له قالوا: "يا أبا بكر ما حصل ما وعد به صاحبك" فقال له النبي – صلى الله عليه وسلم – هلا جعلتها دون العشر ([18])لأن الله تعالى قال: "في بضع سنين والبضع هو ما بين الثلاث  إلى التسع، فكانت في دون العشر، وهكذا كان فإن الله تعالى نصر الروم بعد ذلك على الفرس فغلبت الروم ثم غلبوا كما وعد الله  – عز وجل – وكان غلبهم – وهم من بعد غلبهم سيغلبون – في بضع سنين لله الأمر من قبل ومن بعد – ويومئذ (يعنى : يوم يغلب الروم الفرس) يومئذ يفرح المؤمنون بنصر الله ينصر من يشاء. أين نصر الله؟ نصر الله في معركة بدر، فكان انتصار الروم على الفرس في اليوم الذي نصر الله تعالى فيه محمداً – صلى الله عليه وآله وأصحابه وسلم – وأصحابه على قريش – ففرح المؤمنون بنصر الله. السؤال: لماذا كان فرح المؤمنين بنصر الروم أو تمنيهم لنصر الروم  على الفرس؟ لم يكن هذا لقضية اقتصادية أو مصالح مادية أو لأن – مثلاً – أرصدتهم سوف تزيد كلا ! كانت قضيتهم قضية الدين، فهم ينظرون  إلى أن انتصار النصارى وهم أهل كتاب – يعتبر إرهاصاً لانتصار المسلمين وعلى  كل حال هو بكتاب الله عز وجل مربوط به فإذا انتصر الروم دل هذا على قرب انتصار المسلمين على عدوهم القديم الوثني قريش ومن ظاهرها وأيدها.

فهذه قضية تدلك على كيف يفكر المسلم؟ وكيف ينظر إلى ما يقع حوله من الأحداث والأمور؟

من ذلك أيضاً أو يشبه ذلك: ما يسمع به المسلمون كثيراً وعبر عصور طويلة من انهيار الإمبراطوريات الضخمة ، أحياناً توجد إمبراطوريات  ودول ضخمة تهيمن  على معظم أنحاء المعمورة، أو على كلها أحياناً، فكان المسلمون يفرحون بذلك لأن تلك الإمبراطورية الضخمة تأخذ بخناق الأمم فيفرحون لما في ذلك من إزاحة العقبات من سبيل الإسلام، ولعل من ذلك فرح المسلمين الصادقين في هذا العصر بسقوط إمبراطورية روسيا الشيوعية والدول التي تدور في فلكها في العالم كله. فإن سقوطها أزاح عن المسلمين كلكلا رهيبا، ونفس للمسلمين حتى داخل روسيا نفسها فتنفسوا الصعداء، وحققوا بعض التقدم في مجال الإسلام وكذلك في الدول الأخرى التي سقطت فيها الشيوعية وإن كان العالم كله يتآمر على المسلمين ففي ألبانيا حيث كثرة المسلمين يقف العالم ضدهم بكافة الوسائل.

إن سقوط الشيوعية بشير خير للمسلمين بكل تأكيد، لأن العالم كانت تتقاسمه حضارتان: الشرقية والغربية، وهي في الواقع حضارة واحدة مادية بشقيها الشيوعي والرأسمالي، والشق الرأسمالي المتمثل في دول الغرب شق لا يعتمد على مبدأ ولا يقوم على عقيدة ولذلك فهو أضعف أما الشق الشرقي المتمثل في الشيوعي فكان يقوم على أساس عقيدة أو ما يسمى بالأيدلوجية والدين أو مبدأ أو مذهب  ولذلك كان أخطر لأنه يتحمس في سبيل نشر مبدئه وعقيدته، فانهيار ذلك الشق القائم على أساس المبدأ هو مؤذن بانهيار غيره، وهو مؤذن – أيضاً – بأن الفكرة التي قام على أساسها فكرة خاطئة فهو يصدق ما قاله دعاة الإسلام من قبل عن فشل الشيوعية نظرياً وعملياً.

-الإسلام أولا وقبل كل شيء:

نقطة رابعة فيما يتعلق بمن يحملون هم الإسلام، من يحمل هم الإسلام لابد أن يبني علاقاته أخذاً وعطاء قربا وبعداً قبولاً ورفضاً ولاءً وبراءً لابد أن يربط هذه الأشياء كلها بمصلحة الإسلام كما أسلفت، فإذا كان التعليم في مصلحة الإسلام حتى في أمور لا تتعلق به فكيف في أشياء يملكها في ذاته لابد أن يقدم فيها مصلحة الإسلام على مصلحته الشخصية إذا تعارضت في أي حال من الأحوال، وكل المجتمع الإسلامي الأول وفي كل عصر هو نموذج حي لهذا التقديم.

- فمثلاً: المسلم الذي كان يهاجر من بلده .. بلد الكفر إلى بلد الإسلام إلى المدينة المنورة مثلاً أليس مرتبطاً عاطفياً ببلده؟ الإنسان بطبيعته يحب البلد الذي ولد فيه ونشأ فيه له فيه ذكريات كما يقول ابن الرومي:

وحبب أوطان الشباب إليهم           

 مآرب قضاها الشباب هنالك

إذا ذكروا أوطانهم ذكرتهم             

 عهود الصبا فيها فحنوا لذلك

ولذلك بلال – رضى الله عنه مثلاً – هاجر فيمن هاجر من مكة إلى المدينة، فأصابته الحمى فكان إذا أصابته الحمى ماذا يقول وهو لا يعي ما يقول من شدة الحمى كان يتغنى بأبيات يذكر فيها مواقع ومواضع وجبال وأودية قريبة من مكة فكان يقول:

ألا ليت شعري هل أبيتن               

ليلة بواد وحولي إذخر وجليل .

وهل أردن يوماً مياه مجنة              

وهل يبدون لي شامة وطـفيل .

فيذكر أسماء مواضع ارتبطت في ذهنه وعقله([19]) .

- حتى ورد أن الرسول –صلى الله عليه وسلم كان يقول: “اللهم العن فلاناً وفلاناً وفلاناً كما أخرجونا من ديارنا إلى ديار الوباء” ([20])وبكل تأكيد كان – صلى الله عليه وسلم – يحب مكة.

- وفي حديث عبد الله بن عدي أن الرسول – صلى الله عليه وسلم – لما خرج من مكة ووقف بالحزورة([21])، وهو مكان يقع تقريباً إلى الشمال الشرقي من مكة التفت إليها وقال: “والله إنك لأحب بلاد الله إلى الله، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت”([22])ودمعت عيناه – صلى الله عليه وآله وسلم – فمع أنه مرتبط بالحب لهذا البلد الأمين الذي فيه الكعبة إلا أنه  صلى الله عليه وسلم لم يتردد في الهجرة إلى المدينة لما كانت مصلحة الإسلام تقتضي ذلك، وهكذا بقية أصحابه وهاجروا من بلاد شتى إلى المدينة المنورة، فمع أن الإنسان مرتبط بحب بلده إلا أنه قدم حب الدين على حب البلد الذي هو أمر فطري في الإنسان، فهذا فيما يتعلق بقضية الهجرة.

مثال آخر : قضية الأخوة، الإنسان العربي مرتبط بقضية القبيلة، ولا أدل   على ذلك إنه على رغم مضي هذه السنين الطويلة إلا أننا نجد كثيراً من الناس حتى من المسلمين أنفسهم لم يتحرروا من قضية التعصب القبلي أبداً، ولازالت تعيش في نفوسهم عقلية الرجل العربي في كثير من الأحيان مرتبطة بقضية الولاء للقبلية والتعصب لها، حتى أحياناً في قبائل عربية عريقة لا يزوج بعضهم بعضاً، لماذا؟ لأن هذا من قبيلة كذا وهذا من قبيلة كذا، مع أنه يعني أولاً "إن أكرمكم عند الله أتقاكم" الأمر الآخر وحتى بمقياسهم هم كلهم عرب ومع ذلك لا يزوج. ليس قصدي أن أتكلم عن هذا الموضوع  هذا الموضوع إن شاء الله له مجال خاص في الحديث عنه، إنما قصدي أن أقول: إن الإنسان العربي – في كثير من الأحيان – كانت القضية مرتبطة عنده بقضية القبيلة، ومع ذلك لما جاء الإسلام وصدقوا في تدينهم وولائهم لم يعد لقضية القبيلة عندهم وزن أو اعتبار أمام الأخوة الإسلامية . فالذين هاجروا تركوا قبائلهم إلى بلد آخر، وآخى الرسول – صلى الله عليه وسلم – بينهم ، فكان يؤاخى بين كل مهاجر وأنصاري فما نزل مهاجر على أنصاري إلا بقرعة وهم قبائل بالأمس كادت أن تدور الحروب بينهم، بل ربما آخى النبي – صلى الله عليه وسلم – بين عربي أصيل قح وبين مولى من الموالي، وربما كان هذا المولى أفقه من العربي وأعلم فكان يرجع إليه كما هي الحال بالنسبة لبلال – رضي الله عنه – أو صهيب أو سلمان أو غيرهم فتخلوا عن هذا الأمر الذي هو في أصل تركيبهم وعقليتهم وتربتيهم وأصبحت قضية الأخوة الإسلامية هي المبدأ الذي يسيرون عليه.. لماذا؟ لأنهم صار هم الإسلام هو الهم الذي يشغلهم، ولذلك كيفوا حياتهم كلها: أخذاً وعطاءً قبولاً ورداً ولاءً وبراء قرباً وبعداً كيفوها مع هذه القضية مع الإسلام ومع مصلحة الإسلام ومصلحة الدعوة إلى الإسلام.

ومن الأمثلة على ذلك محبة الرسول – صلى الله عليه وسلم – الذي حل منهم محل الروح فعبيدة – رضي الله عنه – عبيدة بن الحارث الذي وبارز بعض المشركين في معركة بدر ، حيث ضرب بالسيف وطعن وجرح ومات متأثراً بجراحه، ومع ذلك كان يقول: يا رسول الله! لو رآني أبو طالب لعلم أني أحق بما يقول، ماذا كان يقول أبو طالب: كان يخاطب قريشاً في قصيدته اللامية المعروفة التي يمدح فيها الرسول –صلى الله عليه وآله وسلم- يقول أبو طالب:

كذبتم وبيت الله يبزى محمداً         

 ولما نطاعن دونه ونناضل

ونسلمه حتى نصرع دونه            

ونذهل عن أبنائنا والحلائل ([23])

فعبيدة يقول: أنا أحق بهذا الكلام من أبي طالب لأنه –رضي الله عنه- قتل بين يدي رسول الله – صلى الله عليه وسلم – مدافعاً عنه حامياً لجنابه – عليه الصلاة والسلام – -

وكذلك خبيب بن عدي وزيد بن الدثنة لما قبضوا وأرادت قريش أن تقتلهم، كانوا يقولون له: هل تحب أن محمداً مكانك وأنك سالم في أهلك؟ قال: والله ما أحب أني سالم في أهلي وأن محمدا –صلى الله عليه وسلم- تصيبه شوكة في رجله([24]).

ولست أبالي حين أقتل مسلماً              على أي جنب كان في الله مصـرعي.

وذلك في ذات الإله وإن يشأ               يبارك على أوصال شلو ممـــزع .

ولست بمبد للعدو تخشعاً                  ولا جزعاً  إني إلى الله مرجعــــي.

نجد أن الهموم قد توحدت عندهم في هم واحد هو هم الإسلام وكل ما يرتبط بالإسلام : رسول الإسلام – صلى الله عليه وسلم كتاب الإسلام علماء الإسلام دين الإسلام مصلحة الإسلام، أصبح هذا هو الذي يشغل بالهم ويؤرق خواطرهم وأخيرا فإن هذا التوتر لقضية الإسلام وهذا الهم لا بد أن يتمثل في شيء يقدمه للإسلام في عطاء في مشاركة في عمل قل أو كثر صغر أو كبر تستطيع أن تقدمه للدين وتنفع به الإسلام والمسلمين . عطاء يبدأ بالوعي والانتساب لهذا الدين حقيقة ولا ينتهي إلا بآخر نفس يخرج من الإنسان فما دامت روح الإنسان في بدنه فهو حريص على أن يقدم العطاء هذا العطاء .

هذا الهم وهذا الانشغال بدين الله عز وجل هو الذي جعل عمر – رضي الله عنه – يقول فيما رواه البخاري تعليقاً ورواه ابن حزم في "المحلى" وسنده صحيح يقول: "والله إني لأجهز الجيش وأنا في الصلاة"([25]) تزاحمت عنده الهموم والمشاعر وكلها للدين فيجهز الجيش وهو في الصلاة ربما ضاق به الوقت لم يتسع والجيش  على  مشارف المدينة للخروج فعمر يفكر في الجيش لو أقلنا فلاناً لو ولينا فلانا لو منعت فلاناً لو وجهت الجيش إلى كذا وهو في الصلاة.

- هذا الهم هو الذي جعل الإمام الشافعي – رضي الله عنه – يتقلب في فراشه حتى يبرق الفجر ما نام فيقول: إنه حلَّ في تلك الليلة عشرين مسألة فقهية.

هذا الهم الذي جعل شاعراً من شعراء الإسلام ورجلاً من رجالاته الكبار يتكلم عن آلامه ومصائبه وما يعانيه في عصره كهذا العصر فيقول:

قال الطبيب وقد أعيته حالتنا                ولم يغادر لما يرجوه من سبب

كيف الشفاء بعيش الجد مضطرب        والفكر في شغل والقلب في تعب

مادمت في بؤرة الأيام منتصباً            للطعن والضرب لا رجوى لمرتقب

يقول:

ولو ملكت خياري والدنى عرضت              بكل إغرائها في فنها العـجب .

لما رأت غير إصراري على سـنن               وعادها اليأس بعد الهد والنصب

قلبي خلي عن الدنيا ومطلبي ربى                  فليس سراب العيش من أرب .

هذا الشعور ربما أفلح واحد في التعبير عنه لكنه شعور كثير من رجالات الإسلام ودعاته على مدار التاريخ، ويجب أن يكون هو شعوري وشعوركَ وشعوركِ وشعورنا جميعاً.

أين موقعك بين جند الإسلام :

هذا العطاء الذي نريده منك أخي المسلم ومن المسلمة أيضا، هو عطاء من يشعر بأنه يشكل جزءاً من الإسلام وأنه رقم في ذلك العدد الذي يحسب به المسلمين إذا حسبوا وعدوا فأنت منهم واحد أنت منهم شئت ذلك أم أبيت هذا الرقم الخيالي هذا أنت معدود فيه محسوب فيه وإن كنت تقول: هؤلاء فيهم وفيهم نعم لكنك واحد منهم وهذه الآلام وهذه العيوب وهذه الأمراض وهذه الأوجاع لك منها حظ ونصيب قل أو كثر .

فيبقى السؤال: ما دام أنت تشكل رقماً هل أنت تشعر بالشعور الذي كان يشعر به سعد بن أبي وقاص؟ في صحيح البخاري يقول سعد رضي الله عنه:“ والله لقد مكثت سبعة أيام وإني لثلث الإسلام ” ([26]). هو ما يعرف إلا ثلاثة يقول أنا واحد منهم، فكنت أشكل ثلث الإسلام سبعة أيام مدة أسبوع والواقع إنه ما كان ثلث الإسلام – رضي الله عنه – كان فيه مسلمين مستخفين ما كان يعرف بهم فكان يظن أنه ثلث الإسلام ولكن الواقع أنه كان خمس الإسلام أو سدس الإسلام أو سبع الإسلام المهم كان يشعر بأنه جزء من الدين على  ظهره على  كاهله وهو الآن يا حبيبي ماله إلا أسبوع مسلم فقط أنا وأنت شبنا في الإسلام، ومع ذلك ما في قلوبنا تلك الحرقة ولا فيها ذلك اللهيب الذي يدعونا إلى نفكر دائما بكيف نعمل للإسلام كيف نقدم يعجبني يا أخي الإنسان الذي يقول: ماذا أفعل؟ ما دوري؟ ما هو واجبي؟ هذا دليل إنه يريد أن يعمل شيئاً ، المشكلة الإنسان الذي يصبح كالنبتة التي نبتت في الظل هي دائماً منجعفة، ليس فيه قوة ولا إشراق ولا حرارة ولا توقد هذا الإنسان لا يصنع شيئاً.

- استثمر كل طاقاتك وإمكانياتك لنصرة الإسلام  :

إن هذا العطاء الذي نريده منك للإسلام عطاء ينطلق من موقعك من وظيفتك من دراستك من سكنك من علاقاتك الشخصية والاجتماعية من مواهبك وطاقاتك ذاك العمل الذي تأخذ عليه راتباً أحياناً، والعمل الذي قد تطالب بمقتضى النظام أن تقوم به، هذا العمل نفسه يمكن أن تقدم من خلاله خدمات جلَّى للإسلام، إذا نصحت لله تعالى ولرسوله ولعباده المؤمنين، وحرصت على أن تكون مخلصاً بعيداً عن الرياء والسمعة بعيداً عن الغش بعيداً عن التزوير بعيداً عن الظلم بعيداً عن القيام بأي عمل تعتقد أنه لا ينفع المسلمين أو أنه لا يخدم الإسلام، أو أنه ضد دعوتك ودينك الذي تدين به.

ليس المجال الوحيد لنصرة دين الله والعمل للإسلام  هو مجال الفتيا أو القضاء أو التعليم الشرعي أو إلقاء الدروس والمحاضرات أو الخطب مثلاً! لا أبداً هذا مجال وهو مجال خصب وهو أحد المجالات لخدمة الإسلام ولكن هذا لا يعني أنه لا يوجد مجال غيره يمكن نصرة الدين من خلاله

 في الحقيقة  هناك مجالات أخرى كثيرة في واقع المسلمين يستطيع المختص سواء في المجالات الطبية أو في مجالات العلوم الطبيعية أو العلوم التطبيقية أو العلوم الإنسانية أو غيرها، والمسلمون يحتاجون   إلى كوادر وإلى أعداد هائلة من أصحاب هذه التخصصات كلها حتى يتحقق للمسلمين وجود المجتمع الإسلامي المتكامل فلا تبخل على نفسك وعلى دينك بما تستطيع وأنت يا أخي حين تقدم هذا العطاء لن تخسر شيئاً قط  أبداً سوف تستمتع بما أحل الله لك وسوف تجد الروح والسرور والطمأنينة في قلبك، وهى عاجل بشرى المؤمن، وسوف يهبك الله تعالى من السعادة والتوفيق – حتى في أمورك الدنيوية – مالا تحتسب ، ومع ذلك فإنك يجب أن تعلم أن الدنيا ليست هي دار العطاء والجزاء، إنما الدنيا هي دار الكد والكدح والعمل، وأما جزاؤك فتنتظره في الدار الآخرة، لن تخسر شيئاً وأنت تقدم .

ويعجبني أن أستشهد لهذا العطاء بنموذج أو مثال قد يكون بعيداً بعض الشيء عما نتحدث عنه الآن ما رواه الشيخان عن أبي هريرة – رضي الله عنه – في قصة سليمان عليه الصلاة والسلام – يقول أبو هريرة – رضي الله عنه – عن رسول الله صلى الله عليه وسلم – : "إن سليمان قال: لأطوفن الليلة على سبعين – وفي رواية أكثر – امرأة من نسائي تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله"([27]) هو نبي الله ومع ذلك فهو بشر لأن الله تعالى يبعث الرسل بشراً من الناس، فالطبيعة البشرية موجودة فيه، والميل   إلى المرأة موجود فيه، وهو يستمتع بذلك لا أقول كما يستمتع غيره بل أكثر لأن الله تعالى يعطي الأنبياء من القوة حتى في أجسادهم مالا يعطي غيرهم، وقد أعطي رسول الله – صلى الله عليه وآله وسلم – قوة ثلاثين في الأكل والشرب والبطش والجماع، كما في حديث أنس : "كنا نحدث أنه أعطي قوة ثلاثين"([28]) وفي بعض الروايات والآثار "أربعين" وفي روايات أيضاً "أربعين أو ثلاثين من أهل الجنة"([29]).

المهم أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام عندهم من القوة ما ليس عند غيرهم، وهم يستمتعون بما أحل الله تعالى لهم من الطيبات، ومع ذلك انظر ماذا كانت مشاعر سليمان – عليه الصلاة والسلام – "تلد كل امرأة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله" فكان هذا أمله ولم يقل: إن شاء الله . فقال له الملك: قل: إن شاء الله. فنسي أن يقولها فلم تلد منهن إلا امرأة جاءت بشق غلام، قال الله عز وجل: { ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسداً ثم أناب} [ ص: 34] قال بعض المفسرين: هو هذا لأنه لم يقل إن شاء الله، نسي أن يقولها، قال النبي – صلى الله عليه وسلم – والذي نفسي بيده لو قال: إن شاء الله لم يحنث وكان دركاً لحاجته. أدرك ما أراد وولدت لو قال: إن شاء الله ولدت كل واحدة منهن غلاماً يقاتل في سبيل الله.

إذا هو لم يقصد من هؤلاء الغلمان أن يتكثر بهم من قلة، ولا أن يستعز بهم من ذلة، ولا أن يبطش بهم ولا أن يضرب. إنما كان يقصد من وراء ذلك أن يظل هؤلاء مجاهدين في سبيل الله يرفعون راية الإسلام ويخوضون المعارك أو يقتلون شهداء، وفي مقابل ذلك هذا العمل نفسه قد يفعله الإنسان على مدار التاريخ هولاكو جينكيز خان أو غيرهم من الأباطرة والأكاسرة والقياصرة ويكون لا يهدف لا أقول إنه لا يهدف إلى غلمان يجاهدون في سبيل الله بل يكون يهدف إلى من يناوئون الإسلام وإلى من يهدمون دولة الإسلام، وإلى من يقاومون زحوف المجاهدين في سبيل الله عز وجل، العمل واحد لكن النتيجة شتى.

- وقل مثل ذلك أيضا في مثل آخر ربما يكون بعيداً، وهو أيضاً في صحيح البخاري عن وهب أن أهل الشام عيروا عبد الله بن الزبير، وقالوا له: يا ابن ذات النطاقين فقالت له أمه:يعيرونك يقولون يا ابن ذات النطاقين؟ قال: نعم! قالت وهل تدرى ما النطاقان ؟ قال: لا قالت: لما ذهبت مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم– لما ذهب أبو بكر مع رسول الله – صلى الله عليه وسلم– في الهجرة شققت نطاقي – نطاق المرأة الذي تضعه في وسطها – فجعلته نصفين: أحدهما : لقربة رسول الله – صلى الله عليه وسلم – والثاني: لسفرته. ولذلك كانت ذات النطاقين وتلك شكاة، فتمثل ابن الزبير أو تمثلت أسماء بقول أبي ذؤيب الهذلي:

وعيرني الواشون أني أحبها         وتلك شكاة ظاهر عنك عارها

ما في عيب إني ذات النطاقين بل هذه محمدة وحسنة، وهذا البيت إنما تمثل به ابن الزبير – رضي الله عنه – أو تمثلت به أسماء، نسيت، أظنه  ابن الزبير تمثل به، وإلا فالواقع أنه لأبي ذؤيب الهذلي ضمن قصيدة يقول فيها:

هل الدار إلا ليلة ونهـــارها              

  وإلا طلوع الشمس ثم غيابهـا.

أبى القلب إلا أم عمرو فأصبحت              

تحرق ناري بالشكاة ونارهــا.

وعيرني الواشـون أني أحبها                       وتلك شكاة ظاهر عنك عارها.


 

 

وخـــتامـــًا :

نحب منك أخي الحبيب أن تعطي عطاءً .. تعطي عطاء من لا ينتظر في الدنيا من أحد  جزاءً ولا مثوبة ولا ينتظر ثناء من الناس ولا مدحاً  ولا جاهاً وإنما ينتظر الجزاء عند الله تعالى في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم، نريد العطاء الذي ينبعث من ذاتك، غير مرتبط بزمان ولا بمكان ولا بظرف فأنت تعمل على أن تقدم لدينك ما تستطيع في كافة الظروف حتى وأنت  على  سرير الموت.

[][][][][][][][][][]


 

 


 

([1]) وردت أحاديث كثيرة بهذا المعنى منها حديث أبي هريرة رضي الله عنه أخرجه مسلم (1/90) وابن ماجه (3986)  .

([2]) أخرجه أحمد (4/148) ، و الترمذي برقم (2406) وهذا لفظ الترمذي وقال عقبه : هذا حديث حسن . 

([3]) وردت أحاديث كثيرة تفيد هذا المعنى عن غير واحدٍ من الصحابة بألفاظٍ متفاوتة منها : ما أخرجه أحمد (2/298، 355، 363، 403) والنسائي في عمل اليوم والليلة (13) من حديث أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال : “ ألا أعلمك ألا أدلك على كلمة من كنزالجنة من تحت العرش لا قوة إلا بالله” .

([4]) أخرجه أبو داود برقم (4291) ، والحاكم (4/522) والخطيب البغدادي في تاريخ بغداد (2/61) وغيرهم والحديث ذكره الشيخ الألباني في سلسلة الأحاديث الصحيحة برقم (599) وقال : “سند صحيح ، رجاله ثقات رجال مسلم ... وقد أشار الإمام أحمد إلى صحة الحديث ...” .اهـ

([5]) أخرجه الحميدي (919) ، وأحمد (4/268) ، (4/270) ، ومسلم (8/ 20) من طرق عن الشعبي عن النعمان بن بشير .

([6])أخرجه الحميدي (239)، (240)، وأحمد (6/38،82،226) .والبخاري (4/229) ، (5/29) ، (8/195)، ومسلم (4/172) ،وأبو داود (2267) ، (2268) ، وابن ماجه (2349)، والترمذي (2129) ، والنسائي (6/184) ،كلهم من طرق عن ابن شهاب عن عروة بن الزبير عن عائشة بألفاظ متقاربة .

 

([7])أخرجه أحمد (3/456، 459 ) والبخاري (4/ 9 ، 58 ، 299) ، (5/69، 92)، (6/3،86، 87، 88، 89) ، (8/70، 175) ، (9/ 102) ، والبخاري في الأدب المفرد (944) ، ومسلم (8/105، 112) ، وأبو داود (2202 ، 2773 ، 3317 ، 3321 ، 4600) ، والنسائي في الصغرى (2/53) ، (6/152، 153) ، (7/42) ،وفي الكبرى (721).كلهم من طرق عن كعب بن مالك . 

 

 

([8]) أخرجه أحمد ( 2/ 474، 479، 481)، والبخاري (4/ 230 ) ، ( 7/96) ، ومسلم (6/133، 134) ، وأبوداود (37631) ، وابن ماجه (3259) ، والترمذي (2031) كلهم من طرق عن الأعمش عن أبي حازم عن أبي هريرة به .

وأخرجه  أحمد (2/427، 495) ، ومسلم (6/134) ، وابن ماجه (3259) ثلاثتهم من طرق عن أبي معاوية عن الأعمش عن أبي يحيى مولى آل جعدة عن أبي هريرة بنحوه .

([9]) أخرجه أحمد (3/300) وعبد بن حميد (1027) ومسلم (6/49) ، وابن ماجه (2765) من طرق عن الأعمش عن أبي سفيان عن جابر .   

وأخرجه أحمد (3/103، 182) وعبد بن حميد (1402) ، والبخاري (4/31) ، (6/9) ، وابن ماجه (2764) من طرق عن حميد الطويل عن أنس .

([10]) أخرجه البخاري (4/139) ، (9/144) ، ومسلم (5/181) ، والنسائي في الكبرى (16700- تحفة ) من طرقٍ عن ابن وهب قال أخبرني يونس عن ابن شهاب قال حدثني عروة بن الزبير عن عائشة . 

([11]) قرن الثعالب ويقال قرن المنازل، قال عياض : قرن المنازل هو قرن الثعالب بسكون الراء :ميقات أهل نجد تلقاء مكة على مسيرة يوم وليلة .اهـ  معجم البلدان - لياقوت الحموي (4/332)

([12]) انظر حول التحديات لتذويب حاجز الولاء والبراء الكتب التالية :

-الولاء والبراء - صالح الفوزان .

- الإبطال لنظريةالخلط بين الإسلام وغيره من الأديان - بكر أبو زيد . 

- الموالاة والمعاداة - محماس الجلعود .

- الولاء والبراءفي الإسلام - محمد سعيد القحطاني .

([13]) أخرجه أحمد ( 6/ 51 ، 116 ، 118 ) ، والبخاري (1/ 116) و(5/ 63) ، ( 1/118) (2/144) ، ومسلم (2/66 ، 67) ، والنسائي (2/41) وفي الكبرى ( 694) ، وابن خزيمة (790) من طرق عن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة أم المؤمنين .

([14]) أخرجه ابن خزيمة في (كتاب التوحيد ) برقم (152) من حديث أسماء بنت عميس موقوفًا عليها .

وأخرجه الذهبي في العلو من حديث جابر بن عبد الله برقم (59) من طريق مسلم بن خالد عن ابن خثيم عن أبي الزبير عن جابر به .

وفي هذا الإسناد علتان :

الأولى : عنعنة أبي الزبير ، لأنه مدلس .

والأخرى :ضعف مسلم بن خالد وهو الزنجي ، ولكن قد توبع مسلم عند ابن ماجه برقم (4010) ، وأخرجه ابن حبان أيضًا في صحيحه برقم (1554) .

وله طريق أخرى عن جابر عند البيهقي في الشعب (2/432)  ، وله شاهد عند الحاكم (3/256) .

وطريق أخرى عند ابن أبي عاصم في (582) ، والبيهقي في الشعب (2/432) ، عن عطاء بن السائب عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه ، وهذا إسنادٌ صحيح لولا أن عطاء بن السائب اختلط .

إلا أن الحديث بمجموع طرقه يصلح للاحتجاج ، وقد قال الشيخ الألباني في ظلال الجنة حديثٌ صحيح .   

([15]) أخرجه البخاري (8/9) ، ومسلم ( 8/97) من طرق عن أسلم مولى عمر عن عمر بن الخطاب “ أنه قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي فإذا امرأة ... ”الخ

([16]) أخرجه أحمد (4/248) ، وعبد بن حميد (392)، والدرارمي (2233)، والبخاري (8/215) و(9/151) ، ومسلم (4/211) ، كلهم من طرق عن عبد الملك بن عمير عن وراد كاتب المغيرة عن المغيرة بن شعبة عن سعد بن معاذ به  .

([17]) أخرجه أحمد (3/206) ، ومسلم (7/151) ، وأحمد (3/299) ، وعبد بن حميد (1200) ، والبخاري (3/214) ، (4/144) .كلهم من طرق عن قتادة قال حدثنا أنس بن مالك به .

وللحديث طرق أخرى بألفاظ متقاربة من حديث علي بن زيد بن جدعان ، وواقد بن عمرو بن سعد بن معاذ عن أنس أيضًا .

([18]) أخرجه أحمد (1/276) ، و(1/304) ، والبخاري في خلق أفعال العباد ص(16) ، والترمذي (3193) ، والنسائي في الكبرى (5489-تحفة) ، والحاكم في المستدرك (3541) كلهم من طرق عن سعيد بن جبير  عن ابن عباس  . قال الحاكم حديث صحيح على شرط البخاري ومسلم .

([19]) انظر صحيح البخاري حديث رقم (1889) وشرحه في فتح الباري (4/119) .

([20]) أخرجه البخاري برقم (1889) من حديث عائشة ولفظه : “اللهم العن شيبة بن ربيعة وعتبة بن ربيعة ةأمية بن خلف كما أخرجونا من أرضنا إلى أرض الوباء ، ثم قال رسول اله صلى الله عليه وسلم : اللهم حبب إلينا المدينة كحبنا مكة وأشد ، اللهم بارك لنا في صاعنا وفي مدنا ، وصححها لنا وانقل حماها إلى الجحفة ، قالت : وقدمنا المدينة وهي أوبأ أرض الله فكان بطحان يجري نجلا - تعني ماء آجنا”

([21]) هو موضع بمكة عند باب الحنّاطين ، وهو بوزن قسورة . قال الشافعي الناس يشددون الحزْوَرَة ، والحُدَيْبَية ، وهما مخففتان .اهـ النهاية في غريب الحديث (1/380) مادة حزور .

([22]) أخرجه أحمد (4/305) ، وعبد بن حميد (491) ، والدارمي (2513) ، والترمذي (3925) ، وابن ماجه ( 3108)كلهم من طرق عن الزهري قال أخبرنا أبو سلمة بن عبد الرحمن أن عبد الله بن عدي بن حمراء الزهري أخبره أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم وهو واقف بالحزورة ... فذكر الحديث .

([23]) انظر قصة وفاة عبيدة بن الحارث رضي الله عنه في السيرة النبوية لابن هشام (3/23) .

([24]) انظر خبر مقتلهما في السيرة النبوية لابن هشام (3/169) وما بعدها .  

([25]) أخرجه البخاري تعليقا . قال الحافظ ابن حجر: وقد وصله ابن أبي شيبة بإسناد صحيح عن أبي عثمان النهدي به اهـ الفتح (3/107-108) .

 ([26]) أخرجه البخاري (3858) وابن ماجه في المقدمة برقم (132) ، قال الحافظ في الفتح : قوله : “وإني لثلث الإسلام” قال ذلك بحسب اطلاعه ، والسبب فيه أن منن كان أسلم في ابتداء الأمر كان يخفي إسلامه ، ولعله أراد بالاثنين الآخرين خديجة وأبا بكر ، أوالنبي صلى الله عليه وسلم وأبا بكر ، ، قد كانت خديجة أسلمت قطعًا فلعله خص الرجال .اهـ ولمزيد من التفاصيل ينظر الفتح (7/ 105) .

([27]) أخرجه الحميدي (1175) ، وأحمد (2/275) ، والبخاري (7/50) ، (8/182) ، ومسلم (5/87، 885) والنسائي (7/31) بلفظ :“لأطوفن الليلة على سبعين امرأة ”.

وقد ورد الحديث من طرق أخرى بألفاظٍ مختلفة وقد رجح البخاري رحمه الله من حيث الرواية لفظة “لأطوفن الليلة على تسعين امرأة” . قال : وهو الأصح .

وانظر كلام العلماء على اختلاف ألفاظ الحديث ورواياته في فتح الباري : (6/531) ، شرح الحديث

رقم ( 3424) .

([28]) أخرجه أحمد (3/291) ، والبخاري (1/ 75) والنسائي في الكبرى (1365- تحفة ) ، وابن خزيمة (231) من طرق عن قتادة عن أنس .

([29]) قال الحافظ ابن حجر في فتح الباري في شرحه لقول أنس رضي الله عنه “كنا نتحدث أنه أعطي قوة ثلاثين” قال الحافظ ومميز ثلاثين محذوف أي ثلاثين رجلا، ووقع في رواية الإسماعيلي من طريق أبي موسى عن معاذ بن هشام “أربعين”بدل ثلاثين ، وهي شاذة من هذا الوجه ، لكن في مراسيل طاوس مثل ذلك ، وزاد “ في الجماع ” ، وفي صفة الجنة لأبي نعيم من طريق مجاهد مثله وزاد “ من رجال أهل الجنة ” ،  والجماع ” .اهـ من فتح الباري (1/450) شرح حديث رقم (268) .

 أصل هذه المادة محاضرة للشيخ سلمان العودة

 

 
 
 
English Frensh German Russian Erdu